كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٨٤٨ - حرف الراء (ر)
المخلوقين في التسمية به. و خصوص المعنى لأنّه يرجع إلى اللطف و التوفيق المخصوصين بالمؤمنين. و في الرحمن مبالغة في معنى الرحمة ليست في الرحيم، هي إمّا بحسب شموله للدارين و اختصاص الرحيم بالدنيا كما وقع في الأثر (يا رحمن الدنيا و الآخرة و يا رحيم الدنيا) [١]، و إمّا بحسب كثرة أفراد المرحومين و قلتها كما ورد (يا رحمن الدنيا و يا رحيم الآخرة) [١]، فإنّ رحمة الدنيا تعم المؤمن و الكافر و رحمة الآخرة تخص المؤمن، و إما باعتبار جلالة النّعم و دقتها فيقصد بالرحمن رحمة زائدة بوجه ما. و على هذا يحمل في قولهم يا رحمن الدنيا و الآخرة و رحيمها، فالمراد [٣] بالرحمن نوع من الرحمة أبعد من مقدورات العباد و هي ما يتعلّق بالسعادة الأخروية، و الرحمن هو العطوف على عباده بالإيجاد أولا و الهداية ثانيا و الإسعاد في الآخرة ثالثا و الإنعام بالنظر إلى وجه الكريم رابعا.
و الأقوال للمفسرين في الفرق بينهما كثيرة، فإن شئت الاطلاع عليها فارجع إلى أسرار الفاتحة [٤]
و قال أبو البقاء الكفوي الحنفي في كلياته:
اعلم أنّ جميع أسماء اللّه تعالى ثلاثة أقسام:
أسماء الذات و أسماء الأفعال و أسماء الصفات.
و البسملة مشتملة على أفضل الأقسام الثلاثة.
فلفظ اللّه اسم للذات المستجمع لجميع الكمالات. و لفظ الرحمن اسم لفعل الرحمة على العباد في الدنيا و الآخرة شيئا فشيئا من حيث حدوث المرحومين و حدوث حاجاتهم، فمتعلّقه أثر منقطع فيشتمل المؤمن و الكافر. و لفظ الرحيم اسم لصفة الرحمة الثابتة الدائمة فيختصّ في حقّ المؤمن، فمتعلّقه أثر غير منقطع. فعلى هذا الرحيم أبلغ من الرحمن انتهى.
قال الصوفية: الرحمانية هي الظهور لحقيقة [٥] الأسماء و الصفات، و هي بين ما يختص به من ذاته كالأسماء الذاتية و بين ما له وجه إلى المخلوقات كالعالم و القادر و نحوهما ممّا له تعلّق إلى الحقائق الوجودية. فالرحمانية اسم جميع المراتب الحقّية دون الخلقية، فهي أخصّ من الألوهية لانفرادها بما يتفرّد الحقّ سبحانه. و الألوهية جميع الأحكام الحقيّة و الخلقية. فالرحمانية جمع بهذا الاعتبار أعزّ من الألوهية لأنها عبارة عن ظهور الذات في المراتب العليّة و تقدّسها عن المراتب الدنيّة، و ليس للذات في مظاهرها مظهر يختصّ بالمراتب العليّة بحكم الجمع إلّا المرتبة الرحمانية، فنسبتها إلى الألوهية نسبة النبات إلى القصب، فالنبات على مرتبة توجد في القصب، و القصب توجد فيه النبات و غيره. فإن قلت بأفضلية النبات بهذا الاعتبار فالرحمانية أفضل.
و إن قلت بأفضلية القصب لعمومه و جمعه له و لغيره فالألوهية أفضل. و الاسم الظاهر في المرتبة الرحمانية هو الرحمن، و هو اسم يرجع
[١] (يا رحمن الدنيا و الآخرة و يا رحيم الدنيا) (يا رحمن الدنيا و يا رحيم الآخرة). صحّحها ابن حجر الهيثمي في مقدمة كتابه فتح المبين لشرح الأربعين، ص ٦، و لكن لم يخرّجهما. و ذلك بلفظ «يا رحمن الدنيا و رحيمها»، «يا رحمن الدنيا و الآخرة و رحيم الآخرة».
و لم نجدهما في كتب الصحاح و المسانيد.
[٣] فالمقصود (م، ع).
[٤] رسالة في اسرار الفاتحة، لم يعلم مؤلفها. أولها: معلوم اوله كه دعا ايدنجه لازم و لا بد در كه آنك حالي ... الخ. نسخة مخطوطة بقلم نسخ معتاد، بدون تاريخ.- فهرس المخطوطات التركية العثمانية التي اقتنتها دار الكتب القومية منذ عام ١٨٧٠ حتى نهاية ١٩٨٠ م، الهيئة المصرية العامة للكتاب، دار الكتب القومية، قسم الفهارس الشرقية/ القسم الاول (١- ح) ص ٢٤ و القسم الثاني (خ- س) ص ١٧٠.
[٥] بحقائق (م).