كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٢٩٢ - تنبيهات
أطول منه فهو إيجاز قصر. و قال بعضهم إيجاز القصر هو تكثير المعنى بتقليل اللفظ. و قال آخر: هو أن يكون اللفظ بالنسبة إلى المعنى أقل من القدر المعهود عادة. و سبب حسنه أنّه يدلّ على التمكين في الفصاحة. و لهذا قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم «أوتيت جوامع الكلم» [١]
و قال الطيبي: الإيجاز الخالي من الحذف ثلاثة أقسام: أحدها إيجاز القصر، و هو أن يقصر اللفظ على معناه كقوله تعالى إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ [٢] إلى قوله تعالى وَ أْتُونِي مُسْلِمِينَ [٣] جمع في أحرف العنوان و الكتاب و الحاجة.
و قيل في وصف بليغ كانت ألفاظه قوالب معناه.
قلت و هذا رأي من يدخل المساواة في الإيجاز.
و ثانيها إيجاز التقدير و هو أن يقدّر معنى زائد على المنطوق و يسمّى بالتضييق أيضا، و به سمّاه بدر الدين بن مالك في المصباح لأنه نقص من الكلام ما صار لفظه أضيق من قدر معناه نحو فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ [٤] أي خطاياه غفرت فهي له لا عليه و نحو هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [٥] أي للضالين الصائرين بعد الضلال إلى التقوى. و ثالثها الإيجاز الجامع و هو أن يحتوي اللفظ على معان متعددة نحو إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ [٦] الآية، فإنّ العدل هو الصراط المستقيم المتوسط بين طرفي الإفراط و التفريط المؤتى به إلى جميع الواجبات في الاعتقاد و الأخلاق و العبودية، و الإحسان هو الإخلاص في واجبات العبودية لتفسيره في الحديث بقوله «أن تعبد اللّه كأنك تراه» [٧] أي تعبده مخلصا في نيّتك، واقفا في الخضوع، و إيتاء ذي القربى هو الزيادة على الواجب من النوافل. هذا في الأوامر، و أما في النواهي فبالفحشاء الإشارة إلى القوة الشهوانية، و بالمنكر إلى الإفراط الحاصل من آثار الغضبية، أو كل محرّم شرعا، و بالبغي إلى الاستعلاء الفائض عن الوهمية. قلت و لهذا قال ابن مسعود: ما في القرآن آية أجمع للخير و الشرّ من هذه الآية.
و من بديع الإيجاز قوله تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [٨] إلى آخرها، فإنه نهاية التنزيه و قد تضمن الردّ على نحو أربعين فرقة، كما أفرد ذلك بالتصنيف بهاء الدين بن شدّاد.
تنبيهات
الأول: ذكر قدامة من أنواع البديع الإشارة و فسرها بالإتيان بكلام قليل ذي معان جمّة، و هذا هو إيجاز القصر بعينه. لكن فرّق بينهما ابن أبي الإصبع بأن الإيجاز دلالته مطابقة، و دلالة الإشارة إمّا تضمّن أو التزام؛ فعلم أنّ المراد بها هي إشارة النص.
الثاني: ذكر القاضي أبو بكر في إعجاز القرآن أنّ من الإيجاز نوعا يسمّى التضمين، و هو حصول معنى في لفظ من غير ذكر له باسم هي عبارة عنه.
الثالث: ذكر ابن الأثير أنّ من أنواع إيجاز
[١] أخرجه أحمد بن حنبل في المسند، ٢/ ٢٦٨، عن أبي هريرة بلفظ «نصرت بالرعب، و اتيت جوامع الكلم، و بينما أنا نائم إذ جيء بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي».
[٢] النمل/ ٣٠.
[٣] النمل/ ٣١.
[٤] البقرة/ ٢٧٥.
[٥] البقرة/ ٢.
[٦] النحل/ ٩٠.
[٧] أخرجه مسلم في صحيحه، ١/ ٣٧- ٣٨، عن عمر بن الخطاب، كتاب الإيمان (١) ، باب بيان الإيمان و الإسلام (١) ، حديث رقم ١/ ٨، من حديث طويل بلفظ: «الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك».
[٨] الإخلاص/ ١.