كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٢٩٤ - تنبيهات
الإبهام أيضا، و منه التوشيع كذا في المطول في آخر فنّ البديع. و في باب الإطناب قال في الإتقان: قال أهل البيان: إذا أردت أن تبهم ثم توضّح فإنك تطنب، و فائدته إمّا روية المعنى في صورتين مختلفتين: الإبهام و الإيضاح، أو ليتمكن المعنى في النفس تمكّنا زائدا لوقوعه بعد الطلب، فإنه أعزّ من المنساق بلا تعب، أو لتكمل لذة العلم به، فإنّ الشيء إذا علم من وجه ما تشوقت النفس للعلم به من باقي الوجوه و تأملت، فإذا حصل العلم به من بقية الوجوه كانت لذته أشدّ من علمه من جميع الوجوه دفعة واحدة، و من أمثلته قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي [١] فإن اشرح يفيد طلب شرح شيء ماله و صدري يفيد تفسيره و بيانه، و منه التفصيل بعد الإجمال نحو إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً [٢] إلى قوله و منها أربعة حرم، و عكسه كقوله تعالى فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَ سَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ [٣] اعيد ذكر العشرة لرفع توهم أن الواو في سبعة بمعنى أو فتكون الثلاثة داخلة فيها انتهى. و في عدة الإجمال بعد التفصيل من الإيضاح بعد الإبهام بحث، فالصواب أن لا يعد منه بل من أنواع الإطناب كما يستفاد من الأطول. فإن قلت قد ذكر صاحب الإتقان ناقلا عن أهل البيان نوعا آخر من الإطناب بعد ذكر الإيضاح و هو التفسير و فسّره بأن يكون في الكلام لبس و خفاء فيؤتى بما يزيله و يفسّره، فما الفرق بينه و بين الإيضاح؟
أقول و الذي يسنح بخاطري أنّ التفسير أعم من الإيضاح، إذ هو يحصل بذكر المرادف إذا كان أشهر كتفسير اللّيث بالأسد، و ليس ذلك بإيضاح بعد الإبهام إذ ليس في الليث إبهام بل خفاء بسبب عدم شهرته بالنسبة إلى الأسد، و اللّه أعلم.
الإيطاء:
[في الانكليزية]Repetition of the same rhyme
[في الفرنسية]Repetition de la meme rime
عند الشعراء هو إعادة القافية و هو عيب كما في عنوان الشرف، و كلّما تباعدا كان القبح أقل. فإن كان أحد اللفظين معرفة و الآخر نكرة و اختلف المعنى لم يكن إيطاء كما في بعض الرسائل. و في الإتقان الإيطاء تكرار الفاصلة أو القافية و هو عيب في القافية لا في الفاصلة لوقوعه في القرآن و هو قوله تعالى في الإسراء هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا [٤] و ختم بذلك الآيتين بعدها. و قد أورد في كتاب تكميل الصناعة من عيوب القافية الإيطاء و هو تكرار القافية بأحد المعاني غير قافية المصراع الأول للمطلع، حيث لا يعدّ تكراره في غير المطلع إيطاء، بل يسمّونه ردّ المطلع. و الإيطاء قسمان:
أحدها إيطاء خفيّ حيث لا يظهر التكرار مثل:
دانا (عالم) و بنينا (مبصر). و آب و كلاب (ماء الورد) و هذا عند أكثر الشعراء جائز إذا لم يكثر كثرة فاحشة. و مع ذلك فالأولى عدم وضع أمثال هذه القوافي إلى جانب بعضها. و بعضها يرى التكرار في الأمر و النهي مثل: بيا (تعال) و ميا (لا تأت). و ذلك بحجة أنّ الباء في بيا و الميم في ميا حرفان لا معنى لهما إلّا بالإضافة لغيرهما. إذا فالتكرار في هذه الكلمة ليس ظاهرا. و أما التكرار في النفي و الإثبات مثل رفت (ذهب) و نرفت (ما ذهب) فهو بالاتّفاق، و هو معيب و غير مستحسن. كما أنّ بعضهم يقول في ترا (إياك) و مرّا (إياي) و كرا (الذي) ثمة إيطاء خفي. و أمّا الايطاء الجلي: فهو تكرار ظاهر مثل: جانا (روحي) و يارا (صديقي)
[١] طه/ ٢٥.
[٢] التوبة/ ٣٦.
[٣] البقرة/ ١٩٦.
[٤] الاسراء/ ٩٣