كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٣٩ - تنبيه
ثم اعلم أنّ المتوصّل بها إلى الفقه إنما هو المجتهد، إذ الفقه هو العلم بالأحكام من الأدلة، و ليس دليل المقلد منها، فلذا لم يذكر مباحث التقليد و الاستفتاء في كتب الحنفية. و أما من ذكرهما فقد صرّح بأن البحث عنهما إنما وقع من جهة كونه مقابلا للاجتهاد.
تنبيه
بعد ما تقرر أنّ أصول الفقه لقب للعلم المخصوص لا حاجة إلى إضافة العلم إليه إلّا أن يقصد زيادة بيان و توضيح كشجر الأراك. و في إرشاد القاصد للشيخ شمس الدين: أصول الفقه علم يتعرّف منه تقرير مطلب الأحكام الشرعية العملية و طرق استنباطها و موادّ حججها و استخراجها بالنظر، انتهى.
و موضوعه الأدلة الشرعية و الأحكام؛ توضيحه أنّ كل دليل من الأدلة الشرعية إنما يثبت به الحكم إذا كان مشتملا على شرائط و قيود مخصوصة، فالقضية الكليّة المذكورة إنما تصدق كلية إذا اشتملت على هذه الشرائط و القيود، فالعلم بالمباحث المتعلّقة بهذه الشرائط و القيود يكون علما بتلك القضية الكلية، فتكون تلك المباحث من مسائل أصول الفقه. هذا بالنظر إلى الدليل، و أمّا بالنظر إلى المدلول و هو الحكم، فإن القضية المذكورة إنما يمكن إثباتها كلية إذا عرف أنواع الحكم، و أنّ أي نوع من الأحكام يثبت بأيّ نوع من الأدلة بخصوصية ثابتة من الحكم، ككون هذا الشيء علّة لذلك الشيء، فإنّ هذا الحكم لا يمكن إثباته بالقياس.
ثم المباحث المتعلّقة بالمحكوم به، و هو فعل المكلف ككونه عبادة أو عقوبة و نحو ذلك مما يندرج في كليّة تلك القضية، فإن الأحكام مختلفة باختلاف أفعال المكلّفين، فإن العقوبات لا يمكن إيجابها بالقياس.
ثم المباحث المتعلقة بالمحكوم عليه و هو المكلّف كمعرفة الأهلية و نحوها مندرجة تحت تلك القضية الكلية أيضا، لاختلاف الأحكام باختلاف المحكوم عليه، و بالنظر إلى وجود العوارض و عدمها. فيكون تركيب الدليل على إثبات مسائل الفقه بالشكل الأول هكذا: هذا الحكم ثابت لأنه حكم هذا شأنه، متعلق بفعل هذا شأنه، و هذا الفعل صادر من مكلّف هذا شأنه، و لم توجد العوارض المانعة من ثبوت هذا الحكم، و يدل على ثبوت هذا الحكم قياس هذا شأنه. هذا هو الصغرى، ثم الكبرى و هو قولنا: و كل حكم موصوف بالصفات المذكورة و يدلّ على ثبوته القياس الموصوف فهو ثابت، فهذه القضية الأخيرة من مسائل أصول الفقه؛ و بطريق الملازمة هكذا كلما وجد قياس موصوف بهذه الصفات دالّ على حكم موصوف بهذه الصفات يثبت ذلك الحكم، لكنه وجد القياس الموصوف الخ، فعلم أن جميع المباحث المتقدمة مندرجة تحت تلك القضية الكلية [١] المذكورة، فهذا معنى التوصّل القريب المذكور.
و إذا علم أن جميع مسائل الأصول راجعة إلى قولنا كل حكم كذا يدلّ على ثبوته دليل كذا فهو ثابت، أو كلما وجد دليل كذا دالّ على حكم كذا يثبت ذلك الحكم، علم أنه يبحث في هذا العلم عن الأدلة الشرعية و الأحكام الكليتين من حيث إنّ الأولى مثبتة للثانية، و الثانية ثابتة بالأولى، و المباحث
[١] الكلية (- م، ع).