كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٩٣٦ - حرف السين (س)
النَّاسَ السِّحْرَ [١] و المراد [٢] بالسحر ما يستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان مما لا يستقلّ به الإنسان، و ذلك لا يحصل إلّا لمن يناسبه في الشرارة و خبث النفس، فإنّ التناسب شرط في التضام [٣] و التعاون، و بهذا يميّز الساحر عن النبي و الولي. و أما ما يتعجب منه كما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآلات و الأدوية أو يريه صاحب خفة اليد فغير مذموم، و تسميته سحرا على التجوّز، أو لما فيه من الدّقّة لأنّ السّحر في الأصل موضوع لما خفي سببه انتهى.
و في الفتاوى الحمادية: السحر نوع يستفاد من العلم بخواص الجواهر و بأمور حسابية في مطالع النجوم، فيتخذ من تلك الجواهر هيكل مخصوص على صورة الشخص المسحور، و يترصّد له وقت مخصوص في المطالع و تقرن به كلمات تتلفظ بها من الكفر و الفحش المخالف للشرع، و يتوصّل في تسميتها إلى الاستعانة بالشياطين، و تحصل من مجموع ذلك بحكم إجراء اللّه العادة أحوال غريبة في الشخص المسحور انتهى. و كونه معدودا من الخوارق مختلف فيه كما عرفت. و قال الحكماء: السّحر مزج قوى الجواهر الأرضية بعضها ببعض.
قال الإمام فخر الدين الرازي في التفسير الكبير: اعلم أنّ السحر على أقسام.
القسم الأول: سحر الكلدانيّين و الكسدائين الذين كانوا في قديم الدهر و هم قوم يعبدون الكواكب و يزعمون أنّها هي المدبّرة لهذا العالم و منها تصدر الخيرات و الشرور و السعادة و النحوسة، و هم الذين بعث اللّه تعالى عليهم إبراهيم عليه السلام مبطلا لمقالتهم و ردّا عليهم في مذاهبهم و عقائدهم.
و القسم الثاني من السحر سحر أصحاب الأوهام و النفوس القوية، قالوا اختلف الناس في الإنسان. فأما إذا قلنا بأنّ الإنسان هو هذه البنية فلا شك أنّ هذه البنية مركّبة من الأخلاط الأربعة فلم لا يجوز ان يتفق مزاج من الأمزجة يقتضي القدرة على خلق الجسم و العلم بالأمور الغائبة عنّا. و أما إذا قلنا إنّ الإنسان هو النفس فلم لا يجوز أن يقال إنّ النفوس مختلفة فيتفق في بعض النفوس أن تكون قادرة على هذه الحوادث الغريبة مطلعة على الأسرار الغريبة. ثم الذي يؤكد هذا الاحتمال على وجوه.
الأول أنّ الجذع يتمكن الإنسان من المشي عليه لو كان موضوعا على الأرض و لا يمكنه لو كان كالجسر موضوعا على هاوية تحته، و ما ذاك إلّا أن يخيل السقوط، و متى قوي أوجب السقوط.
الثاني أنّه أجمعت الأطباء على نهي المرعوف عن النظر إلى الأشياء الحمر و المصروع عن النظر إلى الأشياء القوية اللمعان أو الدوران، و ما ذاك إلّا لأنّ النفوس خلقت على الأوهام.
الثالث حكي عن أرسطو أنّ الدجاجة إذا تشببت و بلغت و اشتاقت إلى الديك و لم تجده فتصورت الديك و تخيّلته و تشبهت بالديك في الصوت و الجوارح نبت على ساقها مثل الشيء النابت على ساق الديك، و ارتفع على رأسها مثل تاج الديك، و ليس هذا إلّا بسبب كثرة التوهّم و التخيّل، و هذا يدل على أنّ الأحوال الجسمانية تابعة للأحوال النفسانية.
[١] البقرة/ ١٠٢.
[٢] المقصود (م، ع).
[٣] النظام (م).