كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٦ - التقسيم
الثاني: العلوم إمّا آلية أو غير آلية، لأنها إمّا أن لا تكون في أنفسها آلة لتحصيل شيء آخر بل كانت مقصودة بذواتها، أو تكون آلة له غير مقصودة في أنفسها، الثانية تسمّى آلية و الأولى تسمّى غير آلية.
ثم إنه ليس المراد بكون العلم في نفسه آلية أنّ الآليّة ذاتية لأنّ الآليّة للشيء تعرض له بالقياس إلى غيره، و ما هو كذلك ليس ذاتيا بل المراد أنه في حدّ ذاته بحيث إذا قيس إلى ما هو آلة يعرض له الآلية و لا يحتاج في عروضها له إلى غيره، كما أنّ الإمكان الذاتي لا يعرض للشيء إلّا بالقياس إلى وجوده؛ و التسمية بالآلية بناء على اشتمالها على الآلة فإنّ العلم الآلي مسائل كلّ منها ممّا يتوسّل به إلى ما هو آلة له، و هو الأظهر إذ لا يتوسل بجميع علم إلى علم.
ثمّ اعلم أنّ مؤدى التقسيمين واحد إذ التقسيمان متلازمان؛ فإنّ ما يكون في حد ذاته آلة لتحصيل غيره لا بدّ أن يكون متعلّقا بكيفية تحصيله فهو متعلّق بكيفية عمل، و ما يتعلّق بكيفية عمل لا بدّ أن يكون في نفسه آلة لتحصيل غيره، فقد رجع معنى الآلي إلى معنى العملي، و كذا ما لا يكون آلة له كذلك لم يكن متعلّقا بكيفية عمل، و ما لم يتعلّق بكيفية عمل لم يكن في نفسه آلة لغيره، فقد رجع معنى النظري و غير الآلي إلى شيء واحد.
ثم اعلم أنّ غاية العلوم الآلية أي العلّة الغائية لها حصول غيرها، و ذلك لأنها متعلّقة بكيفية العمل و مبيّنة لها، فالمقصود منها حصول العمل سواء كان ذلك العمل مقصودا بالذات أو مقصودا لأمر آخر يكون هو غاية أخيرة لتلك العلوم، و غاية العلوم الغير الآلية حصولها أنفسها و ذلك لأنها في حدّ أنفسها مقصودة بذواتها و إن أمكن أن يترتّب عليها منافع أخرى، فإنّ إمكان الترتّب الاتفاقي بل وقوعه لا ينافي كون المرتّب عليه مقصودا بالذات إنّما المنافي له قصد الترتّب. و الحاصل أنّ المراد بالغاية هي الغاية الذاتية التي قصدها المخترع الواضع لا الغاية التي كانت حاملة للشارع على الشروع، فإنّ الباعث للشارع في الشروع في العلوم الآلية يجوز أن يكون حصولها أنفسها، و في العلوم الغير الآلية يجوز أن يكون زائدا على أنفسها.
فإن قيل: غاية الشيء علّة له و لا يتصوّر كون الشيء علّة لنفسه، فكيف يتصوّر كون غاية العلوم الغير الآلية حصولها أنفسها؟ قيل: الغاية تستعمل على وجهين: أحدهما أن تكون مضافة إلى الفعل و هو الأكثر، يقال غاية هذا الفعل كذا، و حينئذ تكون الغاية مترتّبة على نفس ذي الغاية و تكون علّة لها. الثاني أن تكون مضافة إلى المفعول، يقال غاية ما فعل كذا، و حينئذ تكون الغاية مترتّبة على فعله و علّة له لا لذي الغاية، أعني ما أضيف إليه الغاية؛ و الغاية فيما نحن فيه من القسم الثاني لأن المضاف إليه للغاية هاهنا المفعول و هو المحصل، أعني العلوم دون الفعل الذي هو التحصيل، فالمراد بغايتها ما يترتّب على تحصيلها و يكون علّة له لا لها، هذا كله خلاصة ما في شرح المطالع و حواشيه. الثالث إلى عربية و غير عربية. الرابع إلى شرعية و غير شرعية. الخامس إلى حقيقية و غير حقيقية. السادس إلى عقلية و نقلية، فالعقلية ما لا يحتاج فيه إلى النقل و النقلية بخلاف ذلك. السابع إلى العلوم الجزئية و غير الجزئية، فالعلوم التي موضوعاتها أخصّ من موضوع علم آخر تسمّى علوما جزئية كعلم الطب فإن موضوعه و هو الإنسان أخصّ من موضوع الطّبعي، و التي موضوعاتها أعمّ يسمّى بالعلم الأقدم لأن الأعمّ أقدم للعقل من الأخصّ، فإن إدراك الأعم قبل إدراك الأخصّ كذا في بحر الجواهر.