كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٢٢٤ - فائدة
بالكلام البليغ كما عرف، فلا يتمّ تعريف الإيجاز و الإطناب ما لم يقيّد بالبلاغة لجواز أن يكون الناقص الوافي غير فصيح، و كذا الزائد لفائدة انتهى ما قال صاحب الأطول.
اعلم أنه قال السكّاكي: قد يوصف الكلام بالاختصار لكونه أقل من عبارة المتعارف كما سبق، و قد يوصف به لكونه أقل من العبارة اللائقة بالمقام بحسب مقتضى الظاهر نحو:
قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [١] فإنه إطناب بالنسبة إلى المتعارف، و هو قولنا يا ربي شخت، لكنه إيجاز بالنسبة إلى ما يقتضيه المقام لأنه مقام بيان انقراض الشباب و نزول المشيب، فينبغي أن يبسط الكلام فيه غاية البسط، فعلم أنّ للإيجاز معنيين: أحدهما كون الكلام أقل من عبارة المتعارف و الثاني كونه أقل مما هو مقتضى ظاهر المقام، و أنه لا فرق بين الإيجاز و الاختصار و إن توهّمه البعض كما ورد في لفظ الإجازة. ثم إنّ بين الإيجازين عموما من وجه لتصادقهما فيما هو أقلّ من عبارة المتعارف، و يقتضي المقام جميعا كما إذا قيل ربّ شخت بحذف حرف النداء و ياء الإضافة، و صدق الأوّل بدون الثاني كما في قوله إذا قال: الخميس نعم بحذف المبتدأ فإنه أقل من المتعارف، و هو هذا نعم، و ليس أقل من مقتضى المقام لأنّ المقام لضيقه يقتضي حذف المسند إليه و صدق الثاني بدون الأول كما في قوله تعالى: رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي و يمكن اعتبار هذين المعنيين في الإطناب أيضا.
و النسبة بين الإطنابين أيضا عموم من وجه لأنّ الإطناب بالمعنى الأول دون الثاني يوجد في قوله تعالى: رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً، و بالمعنى الثاني دون الأول يوجد في ما إذا قيل: هذا نعم بذكر المبتدأ بناء على مناسبة خفية مع ذلك المقام، و يوجد بالمعنيين فيما إذا زيد في هذا المثال نظرا إلى ما ذكر من المناسبة الخفية، فقيل مثلا: هذا نعم فاغتنموه؛ و كذا بين الإيجاز بالمعنى الثاني و بين الإطناب بالمعنى الأول عموم من وجه لوجودهما في قوله تعالى: رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي و وجود الإطناب بالمعنى الأول دون الإيجاز بالمعنى الثاني فيما إذا قال هذا نعم فسوقوه إذا طابق المقام على ما مرّ، و بالعكس فيما إذا قال يا ربي قد شخت، و كذا بين الإيجاز بالمعنى الأول و الإطناب بالمعنى الثاني لوجودهما في غزال فاصطادوه إذا طابق المقام عند كون الأمر بالاصطياد مقصودا أصليا للمتكلّم، فإن متعارف الأوساط هذا غزال فاصطادوه. و مقتضى ظاهر المقام غزال و وجود الإيجاز بالمعنى الأول دون الإطناب بالمعنى الثاني في قوله قد شخت، و بالعكس في قوله هذا نعم عند مناسبة خفية.
و اعلم أيضا أنه كما يوصف الكلام بالإيجاز و الإطناب باعتبار كونه ناقصا عمّا يساوي أصل المراد أو زائدا عليه و هو الأكثر كذلك قد يوصف الكلام بهما باعتبار كثرة حروفه و قلتها بالنسبة إلى كلام آخر مساو له، أي لذلك الكلام، في أصل المعنى. و إنما قيد المعنى بالأصل لعدم إمكان المساواة في تمام المراد فإن للإيجاز مقاما ليس للإطناب، و بالعكس، و لا يوصف بالمساواة بهذا الاعتبار إذ ليس المساواة بهذا الاعتبار مما يدعو إليه المقام بخلاف الإيجاز و الإطناب، هكذا يستفاد من الأطول و المطول و أبي القاسم.
و اعلم أيضا أنّ البعض على أن الإطناب بمعنى الإسهاب. و الحق أنه أخصّ من الإسهاب، فإن الإسهاب التطويل لفائدة أو لا
[١] مريم/ ٤.