كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٣٦ - فائدة
الأوقات، كذا في شرح المواقف. و يقرب منه ما قال الصوفية على ما وقع في الإنسان الكامل من أنّ الإرادة صفة تجلّي علم الحقّ على حسب المقتضى الذاتي، و ذلك المقتضى هو الإرادة، و هي تخصيص الحقّ تعالى لمعلوماته بالوجود على حسب ما اقتضاه العلم، فهذا الوصف فيه يسمّى إرادة. و الإرادة المخلوقة فينا هي عين إرادته تعالى، لكن بما [١] نسبت إلينا، كان الحدوث اللازم لنا لازما لوصفنا، فقلنا بأنّ إرادتنا مخلوقة، و إلّا فهي بنسبتها إلى اللّه تعالى عين إرادته تعالى، و ما منعها من إبراز الأشياء على حسب مطلوباتها إلّا نسبتها إلينا، و هذه النسبة هي المخلوقية [٢]، فإذا ارتفعت النسبة التي لها إلينا و نسبت إلى الحقّ على ما هي عليه انفعلت بها الأشياء، فافهم. كما أنّ وجودنا بنسبته إلينا مخلوق و بنسبته إليه تعالى قديم، و هذه النسبة هي الضرورية التي يعطيها الكشف و الذوق، إذ [٣] العلم قائم مقام العين، فما ثم إلّا هذا فافهم.
و اعلم أنّ الإرادة الإلهية المخصّصة للمخلوقات على كل حال و هيئة صادرة عن غير علّة و لا سبب، بل بمحض اختيار إلهي، لأن الإرادة حكم من أحكام العظمة و وصف من أوصاف الألوهية، فألوهيته و عظمته لنفسه لا لعلّة، و هذا بخلاف رأي الإمام محي الدين [٤] في الفتوحات [٥]، فإنه قال: لا يجوز أن يسمّى اللّه تعالى مختارا فإنه لا يفعل شيئا بالاختيار، بل يفعله على حسب ما يقتضيه العالم من نفسه، و ما اقتضاه العالم من نفسه إلّا هذا الوجه الذي هو عليه، فلا يكون مختارا، انتهى.
و اعلم أيضا أنّ الإرادة أي الإرادة الحادثة لها تسعة مظاهر في المخلوقات، المظهر الأول هو الميل، و هو انجذاب القلب إلى مطلوبه، فإذا قوي و دام سمّي ولعا و هو المظهر الثاني.
ثم إذا اشتدّ و زاد سمّي صبابة، و هو إذا أخذ القلب في الاسترسال فيمن يحبّ فكأنّه انصبّ الماء إذا أفرغ لا يجد بدّا من الانصباب، و هذا مظهر ثالث. ثم إذا تفرّغ له بالكليّة و تمكّن ذلك منه سمّي شغفا، و هو المظهر الرابع. ثم إذا استحكم في الفؤاد و أخذه من الأشياء سمّي هوى، و هو المظهر الخامس. ثم إذا استولى [٦] حكمه على الجسد سمّي غراما، و هو المظهر السادس. ثم إذا نمى و زالت العلل الموجبة للميل سمّي حبّا، و هو المظهر السابع. ثمّ إذا هاج حتى يفنى المحبّ عن نفسه سمّي ودّا، و هو المظهر الثامن. ثم إذا طفح حتى أفنى المحبّ و المحبوب سمّي عشقا، و هو المظهر التاسع. انتهى كلام الإنسان الكامل.
[١] لما (م).
[٢] المخلوقة (م).
[٣] أو العلم (م).
[٤] الإمام محي الدين: هو محمد بن علي بن محمد ابن عربي، أبو بكر الحاتمي الطائي الأندلسي، المعروف بمحي الدين بن عربي. ولد في مرسية بالأندلس عام ٥٦٠ ه/ ١١٦٥ م. و توفي في دمشق عام ٦٣٨ ه/ ١٢٤٠ م. لقب بالشيخ الأكبر.
فيلسوف صوفي، من علماء الكلام و الأصول و التصوف. قام برحلات عديدة و تنقل، و قابل العلماء، و له أكثر من أربعمائة مؤلف و رسالة. الاعلام ٦/ ٢٨١، فوات الوفيات ٢/ ٢٤١، جذوة الاقتباس ١٧٥، مفتاح السعادة ١/ ١٧٨، ميزان الاعتدال ٣/ ١٠٨، لسان الميزان ٥/ ٣١١، جامع كرامات الأولياء ١/ ١١٨، نفح الطيب ١/ ٤٠٤، شذرات الذهب ٥/ ١٩٠، آداب اللغة ٣/ ١٠٠، دائرة المعارف الإسلامية ١/ ٢٣١.
[٥] الفتوحات المكية في معرفة الاسرار المالكية و الملكية لأبي بكر محي الدين محمد بن علي بن محمد الطائي المعروف بابن عربي (- ٦٣٨ ه). آخر كتبه و أهمها. فرغ من تأليفه سنة ٦٢٩ ه. بولاق ١٢٩٣ ه. معجم المطبوعات العربية ١٧٨- ١٧٩.
[٦] أستوفي (م).