كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٨٩١ - فائدة
بالتعبير أو بعدمه. و ذلك لأنّ الإجماع على صحّة الرؤيا الصالحة و أنّها حقيقة و حقّة عند أهل الحقّ.
ثم إنّ الأشاعرة يقولون: ليس في الرؤيا إدراكا حقيقيا و لكنه مع ذلك فهو ثابت و له تعبير.
و قال «الطيبي»: إنّ حقيقة الرؤيا إظهار الحقّ سبحانه و تعالى في قلب النائم علوما و مشاهد كما في اليقظان. و اللّه سبحانه قادر على ذلك، و ليس سببه اليقظة. و كذلك ليس النوم بمانع منه، كما هو مذهب أهل السّنة في باب الحواس الخمس الظاهرة، فعادة الحقّ سبحانه جارية بأنّه حين استعمال الحواس يظهر الإدراك، و ذلك ليس بمعنى أنّ الحواس موجبة لذلك، بل إنّ ذلك كائن بخلق اللّه لذلك الإدراك، و ليس بفضل الحواس وحدها. و إن في خلق الإدراكات في النائم علامة و إشارة إلى أمور أخرى تعرض في حال أخرى (اليقظة) كما هو تعبيرها، كما أن الغيم دليل على وجود المطر. و بناء على هذا القول تكون الرؤيا إدراكا حقيقة، و ليس بين النوم و اليقظة فرق من باب تحقّق الإدراك الباطني. نعم في باب إدراك الحواس الظاهرة ثمّة فرق و ذلك لأنّه في حالة النوم تكون الحواس الظاهرة معطّلة. أمّا الحواس الظاهرة فلا دخل لها أصلا في الإدراكات التي ترى في النوم، مثلما في حالة اليقظة لا دخل لها في الإدراكات الباطنية كإدراك الجوع و العطش و الحرارة الباطنية و البرودة و حاجات الإنسان الأخرى كالتّبوّل و غيرها.
ثم إنّ تحقيق الحكماء في باب الرؤيا متوقّف على تحقّق الحواس الباطنة، و ثبوتها مبنيّ على قواعدهم، أما حسب الأصول الإسلامية فغير كاملة كما هو مبين و مفصّل في كتب الكلام، و سنوردها هنا بطريق الإجمال:
إنّ في الإنسان قوّة متصرّفة و من شأنها تركيب الصور و المعاني. و عليه فإذا تصرّف الإنسان في الصور و ركبها بحيث ضمّ بعضها إلى بعض مثل إنسان ذي رأسين أو أربعة أيادي و أمثال ذلك، أو أن يشطر بعض الصور كإنسان بلا رأس أو بدون يد، و أمثال ذلك. فهذا ما يقال له: المتخيّلة. و أمّا إذا تصرّف في تركيب المعاني كما هو الحال في الصور فتلك هي المتفكرة. و هذه القوة دائما سواء في حال اليقظة و المنام مشغولة و خاصة في حال النوم فإنها أكثر شغلا. و للنفس الناطقة الإنسانية اتصال معنوي روحاني بعالم الملكوت، كما إنّ صور جميع الكائنات من الأزل حتى الأبد مرسومة و ثابتة في الجواهر المجرّدة لذلك العالم. و بما أنّ النفس في حالة النوم تفرغ من الاشتغال بإدراك المحسوسات و من تدبير شئون الجسم و العالم الجسماني لذلك و للاتصال الذي لها بتلك الجواهر المجرّدة العالية، فإنّ بعض الصور تظهر في النفس الناطقة و تنطبع فيها كما تنعكس الصّور على المرآة، ثم تقع من النفس الناطقة إلى الحسّ المشترك، ثم تقوم القوة المتصرّفة الناشئة من الحسّ المشترك بالتفصيل و التركيب، و عليه فحينا تعطي لتلك الصور كسوة و لباسا مختلفا، و بسبب علاقة التّماثل و التّشابه من النظير لنظيره تنتقل مثلما صورة حبة اللؤلؤ تبدو كحبّ الرّمان، و حينا تكون العلاقة مغايرة و تضاد مثل الضحك يأخذ صورة البكاء و بالعكس.
و هذا القسم يحتاج فيه إلى التعبير. و حينا تخرج الرؤيا بجنسها بدون تغيير أو تلبيس، و هذا النوع لا يحتاج إلى تعبير. فكما يرى يقع بعينه.
و حينا تأخذ القوة المتخيّلة جميع هذه الصّور من الصّور الخيالية المخزونة و المحفوظة فيها في حالة اليقظة، و لهذا في كثير من الأحوال يرى في النوم ما يفكّر فيه حالة اليقظة.
و حينا بسبب الأمراض يمكن أن ترى