كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٨٩٠ - فائدة
قبيل الخيال الباطل. و قال الأستاذ أبو إسحاق إنّه أي المنام إدراك حقّ بلا شبهة انتهى. و هذا هو المذهب المنصور الموافق للقرآن و الحديث و يؤيده ما وقع في العيني شرح صحيح البخاري في شرح قوله «أول ما بدأ به رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من الوحي الرؤيا الصالحة» [١] الحديث. إن قيل ما حقيقة الرؤيا الصالحة أجيب بأنّ اللّه تعالى يخلق في قلب النائم أو في حواسه الأشياء كما يخلقها في اليقظان، و هو سبحانه يفعل ما يشاء و لا يمنعه نوم و لا غيره عنه. فربّما يقع ذلك في اليقظة كما رآه في المنام و ربّما جعل ما رآه علما على أمور يخلقها في ثاني الحال، أو كان قد خلقها فتقع تلك كما جعل اللّه تعالى انتهى.
ثم قال في شرح المواقف: و قال الحكماء المدرك في النوم يوجد و يرتسم في الحسّ المشترك و ذلك الارتسام على وجهين. الأول أن يرد ذلك المدرك على الحسّ المشترك من النفس الناطقة التي تأخذه من العقل الفعّال، فإنّ جميع صور الكائنات مرتسم فيه. ثم إنّ ذلك الأمر الكلي المنتقش في النفس يلبسه و يكسوه الخيال صورا جزئية إمّا قريبة من ذلك الأمر الكلي أو بعيدة منه فيحتاج إلى التعبير، و هو أن يرجع المعبّر رجوعا قهقريا مجرّدا له، أي للمدرك في النوم عن تلك الصور التي صوّرها الخيال حتى يحصل المعبّر بهذا التجريد إمّا بمرتبة أو بمراتب على حسب تصرّف المتخيّلة في التصوير، و الكسوة ما أخذته النفس من العقل الفعّال فيكون هو الواقع. و قد لا يتصرّف فيه الخيال فيؤديه كما هو بعينه أي لا يكون هناك تفاوت إلّا بالكلية و الجزئية فيقع من غير حاجة إلى التعبير. و الثاني أن يرد على الحسّ المشترك لا من النفس بل إمّا من الخيال مما ارتسم فيه في اليقظة، و لذلك من دام فكره في شيء يراه في منامه. و قد تركّب المتخيّلة صورة واحدة من الصور الخيالية المتعددة و تنقشها في الحسّ المشترك فتصير مشاهدة، مع أنّ تلك الصورة لم تكن مرتسمة في الخيال من الأمور الخارجة، و قد تفصل أيضا بعض الصور المتأدّية إليه من الخارج و ترسمها هناك. و لذلك قلّما يخلو النوم عن المنام من هذا القبيل. و إمّا مما يوجبه مرض كثوران خلط أو بخار. و لذلك [فإن] [٢] الدموي يرى في المنام الحمر، و الصفراوي النيران و الأشعّة، و السوداوي يرى الجبال و الأدخنة، و البلغمي المياه و الألوان البيض.
و بالجملة فالمتخيّلة تحاكي كل خلط أو بخار بما يناسبه و هذا المدرك بقسميه من قبيل أضغاث أحلام لا يقع هو و لا تعبيره، بل لا تعبير له انتهى. لقد قال الشيخ عبد الحق الدهلوي في شرح المشكاة: اعلم أنّ ثمّة خلافا حول تحقيق معنى الرؤيا لدى العقلاء بسبب الإشكال الوارد هنا، و هو أنّ النوم عكس الإدراك. إذن فما يرى (في المنام) ما هو؟ و أكثر المتكلمين من الأشاعرة و المعتزلة على أنّ ذلك خيال باطل و ليس بإدراك حقيقي.
أمّا عند المعتزلة فلأنّ للإدراك شرائط مثل المقابلة و خروج الشّعاع من العين المبصرة و توسّط الهواء الشّفّاف و أمثال ذلك، و هذا كله مفقود في المنام. إذن ما هو إلّا خيالات فاسدة و أوهام باطلة.
و أمّا عند الأشاعرة: فمن حيث إنّ النوم نقيض الإدراك. و لم تجر العادة الإلهية بخلق الإدراك في النائم. إذن ما يوجد ليس إدراكا حقيقة بل هو خيال باطل. و أمّا مرادهم من ذلك فهو بطلان كونه إدراكا حقيقيا و ليس عدم اعتباره
[١] - مشكاة المصابيح للتبريزي ٥٨٤١،- مستدرك الحاكم ٣: ١٨٣.
فتح الباري ١/ ٢١.
[٢] [فإن] (+ م، ع).