كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٨٨٤ - فائدة
ثم اعلم أنّ الروح هو الجوهر العلوي الذي قيل في شأنه قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [١] يعني أنّه موجود بالأمر و هو الذي يستعمل في ما ليس له مادة فيكون وجوده زمانيّا لا بالخلق، و هو الذي يستعمل في مادّيات فيكون وجوده آنيا. فبالأمر توجد الأرواح و بالخلق توجد الأجسام المادية. قال اللّه تعالى: وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ بِأَمْرِهِ [٢]. و قال وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ [٣]
و الأرواح عندنا أجسام لطيفة غير مادية خلافا لفلاسفة فإذا كان الروح غير مادي كان لطيفا نورانيا غير قابل للانحلال ساريا في الأعضاء للطافته، و كان حيا بالذات لأنّه عالم قادر على تحريك البدن. و قد ألّف اللّه [بين] [٤] الروح و النفس الحيوانية. فالروح بمنزلة الزوج و النفس الحيوانية بمنزلة الزوجة و جعل بينهما تعاشقا. فما دام في البدن كان البدن حيا يقظان، و إن فارقه لا بالكلّية بل تعلقه باق [ببقاء النفس الحيوانية] [٥] كان البدن نائما، و إن فارقه بالكليّة بأن لم تبق النفس الحيوانية فيه [٦] فالبدن ميّت.
ثم هي أصناف بعضها في غاية الصّفاء و بعضها في غاية الكدورة و بينهما مراتب لا تحصى. و هي حادثة؛ أمّا عندنا فلأنّ كل ممكن حادث لكن قبل حدوث الأجسام لقوله عليه الصلاة و السلام: «خلق الأرواح قبل الأجسام بألفي عام» [٧]. و عند أرسطو حادثة مع البدن.
و عند البعض قديمة لأنّ كل حادث مسبوق بالمادة و لا مادة له و هذا ضعيف. و الحق أنّ الجوهر الفائض من اللّه تعالى المشرّف بالاختصاص بقوله تعالى وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [٨] الذي من شأنه أن يحيى به ما يتّصل به لا يكون من شأنه أن يفنى مع إمكان هذا.
و الأخبار الدالّة على بقائه بعد الموت و إعادته في البدن و خلوده دالّة على بقائه و أبديته. و اتفق العقلاء على أنّ الأرواح بعد المفارقة عن الأبدان تنقل إلى جسم آخر لحديث: «أنّ أرواح المؤمنين في أجواف طير خضر» [٩] إلى آخره.
و روي: «أرواح الشهداء» [١٠] الخ. و منعوا لزوم التناسخ لأنّ لزومه على تقدير عدم عودها إلى جسم نفسها الذي كانت فيه و ذلك غير لازم، بل إنّما يعاد الروح في الأجزاء الأصلية، إنّما التغيّر في الهيئة و الشكل و اللون و غيرها من الأعراض و العوارض.
و لفظ الروح في القرآن جاء لعدة معان.
الأول ما به حياة البدن نحو قوله تعالى:
وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ [١١]. و الثاني بمعنى الأمر نحو وَ رُوحٌ مِنْهُ [١٢] و الثالث بمعنى الوحي
[١] الاسراء/ ٨٥.
[٢] الروم/ ٢٥.
[٣] الأعراف/ ٥٤.
[٤] [بين] (م، ع).
[٥] [ببقاء النفس الحيوانية] (+ م، ع).
[٦] [بأن لم تبق النفس الحيوانية فيه] (+ م، ع).
[٧] كشف الخفاء للعجلوني ١: ٢٦٥، و برواية أخرى: خلق اللّه الأرواح قبل الأجساد: في الحاوي للفتاوي للسيوطي ١: ٥٧٢.
[٨] الحجر/ ٢٩، ص/ ٧٢.
[٩] كنز العمال: ج ١٥/ ٤٢٧٥٢.
[١٠] كنز العمال ج ٤/ ١١١٢٧، الترمذي رقم ١٦٤١، ابن ماجة رقم ١٤٤٩ مسلم رقم ١٨٨٧ أبو داود (٢٥٠٣) .
[١١] الاسراء/ ٨٥.
[١٢] النساء/ ١٧١.