كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٤٧ - فائدة
الاستحسان في دخول الحمام و شرب الماء من يد السقّاء و نحن ذلك. و عن الشافعي أنه قال:
استحسن في المتعة أن يكون ثلاثين درهما و استحسن ترك شيء للمكاتب من نجوم الكتابة.
و أما من جهة المعنى فقد قيل هو دليل ينقدح في نفس المجتهد يعسر عليه التعبير عنه، فإن أريد بالانقداح الثبوت فلا نزاع في أنه يجب العمل به، و لا أثر لعجزه عن التعبير عنه، و إن أريد به أنه وقع له شك فلا نزاع في بطلان العمل به. و قيل: هو العدول عن قياس إلى قياس أقوى منه و هذا مما لا نزاع في قبوله.
و يردّ عليه أنه ليس بجامع لخروج الاستحسان الثابت بالأثر كالسّلم و الإجارة و بقاء الصوم في النسيان، أو بالإجماع كالاستصناع، أو بالضرورة كطهارة الحياض و الآبار. و قيل هو العدول إلى خلاف الظنّ لدليل أقوى. و لا نزاع في قبوله أيضا. و قيل تخصيص القياس بدليل أقوى منه فيرجع إلى تخصيص العلّة. و قال الكرخي هو العدول في مسألة عن مثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه لدليل أقوى يقتضي العدول عن الأول و يدخل فيه التخصيص و النسخ. و قال أبو الحسين البصري هو ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الألفاظ لوجه و هو أقوى منه، و هو في حكم الطارئ على الأول. و احترز بقوله غير شامل عن ترك العموم إلى الخصوص، و بقوله و هو في حكم الطارئ عن القياس فيما إذا قالوا تركنا الاستحسان بالقياس. و أورد على هذه التفاسير أن ترك الاستحسان بالقياس تكون عدولا عن الأقوى إلى الأضعف، و أجيب بأنه إنما يكون بانضمام معنى آخر إلى القياس به يصير أقوى من الاستحسان، و قيل هو العدول عن حكم الدليل إلى العادة و المصلحة كدخول الحمام من غير تعيين مدة المكث، و العادة إن كانت معتبرة شرعا، فلا نزاع في أنها مقبولة، و إلّا فلا نزاع في كونها مردودة.
و الذي استقرّ عليه رأي المتأخرين هو أنه عبارة عن دليل يقابل القياس الجليّ نصا كان أو إجماعا أو قياسا خفيا أو ضرورة، فهو أعمّ من القياس الخفي، هذا في الفروع، فإنّ إطلاق الاستحسان على النصّ و الإجماع عند وقوعها في مقابلة القياس الجلي شائع في الفروع. و ما قيل إنه لا عبرة بالقياس في مقابلة النصّ و الإجماع بالاتفاق فكيف يصحّ التمسك به؟
فالجواب عنه أنه لا يتمسك به إلّا عند عدم ظهور النصّ و الإجماع، و أما في اصطلاح الأصول فقد غلب إطلاقه على القياس الخفي كما غلب اسم القياس على القياس الجلي تمييزا بين القياسين. و بالجملة، لما اختلفت العبارات في تفسير الاستحسان مع أنه قد يطلق لغة على ما يميل إليه الإنسان و إن كان مستقبحا عند الغير و كثر استعماله في مقابلة القياس الجلي و على القياس الخفي، كان إنكار العمل به عند الجهل بمعناه مستحسنا إذ لا وجه لقبول العمل بما لا يعرف معناه. و بعد ما استقرت الآراء على أنه اسم لدليل متفق عليه سواء كان قياسا خفيا أو أعم منه إذا وقع في مقابلة القياس الجلي حتى لا يطلق على نفس الدليل من غير مقابلة، فهو حجة عند الجميع من غير تصوّر خلاف.
فائدة:
الفرق بين المستحسن بالقياس الخفي و المستحسن بغيره أن الأول يعدى إلى صورة أخرى لأن من شأن القياس التعدية، و الثاني لا يقبل التعدية لأنه معدول عن سنن القياس، مثلا إذا اختلف المتبايعان في مقدار الثمن، فالقياس أن يكون اليمين على المشتري فقط لأنه المنكر، فهذا قياس جليّ إلّا أنه ثبت بالاستحسان التحالف، أي اليمين على كل منهما، أمّا قبل القبض فبالقياس الخفي، و هو أنّ البائع ينكر وجوب تسليم المبيع بما أقرّ به المشتري من