كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٤٦ - فائدة
الشيخ محي الدين العربي في الفتوحات بسنده إلى الإمام أبي حنيفة أنه كان يقول: إياكم و القول في دين اللّه بالرأي، و عليكم باتباع السنّة، فمن خرج منها ضلّ؛ فإن قيل إن المجتهدين قد صرّحوا بأحكام في أشياء لم يصرّح في الشريعة بتحريمها و لا بإيجابها فحرّموها و أوجبوها، فالجواب: أنهم لو لا علموا من قرائن الأدلّة بتحريمها أو بإيجابها ما قالوا به، و القرائن أصدق الأدلة، و قد يعلمون ذلك بالكشف أيضا فتشاهد به القرآن، و كان الإمام أبو حنيفة يقول: القدرية مجوس هذه الأمة و الشيعة الدّجال، و كان يقول: حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي، و كان إذا أفتى يقول: هذا رأي أبي حنيفة، و هو أحسن ما قدّرنا عليه، فمن جاء بأحسن منه فهو أولى بالصواب، و كان يقول: إياكم و آراء الرجال، إلى قوله [١] فكيف ينبغي لأحد أن ينسب الإمام إلى القول في دين اللّه بالرأي الذي لا يشهد له كتاب و لا سنّة. و كان يقول: عليكم بآثار السلف، و إياكم و رأي الرجال، و كان يقول: لم يزل الناس في صلاح ما دام فيهم من يطلب الحديث فإذا طلبوا العلم بلا حديث فسدوا، و كان يقول: لا ينبغي لأحد أن يقول قولا حتى يعلم أنّ شريعة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم تقبله، و كان يجمع العلماء في كل مسألة لم يجدها صريحة في الكتاب و السنّة و يعمل بما يتفقون عليه فيها، و كذلك كان يفعل إذا استنبط حكما فلا يكتبه حتى يجمع عليه علماء عصره فإن رضوه قال لأبي يوسف: اكتبه، فمن كان على هذا القدم من اتّباع السنّة كيف يجوز نسبته إلى الرأي، معاذ اللّه أن يقع في مثل ذلك عاقل، فضلا عن فاضل، انتهى من الميزان. و لذا قيل: الحقّ أنه لا يوجد في الاستحسان ما يصلح محلا للنزاع.
أما من جهة التسمية فلأنه اصطلاح و لا مشاحة في الاصطلاح، و قد قال اللّه تعالى:
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [٢]، و قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن» [٣] و قال النبي صلى اللّه عليه و سلم «من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، و من سنّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها و وزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» [٤] رواه مسلم [٥]. و نقل عن الأئمة إطلاق
- ٨٩٨ ه/ ١٤٩٣ م. و توفي بالقاهرة عام ٩٧٣ ه/ ١٥٦٥ م. من علماء الصوفية. له تصانيف هامة، الأعلام ٤/ ١٨٠، خطط مبارك ١٤/ ١٠٩، آداب اللغة ٣/ ٣٣٥، شذرات الذهب ٨/ ٣٧٢، معجم المطبوعات ١١٢٩.
[١] إلى قوله (- م، ع).
[٢] الزمر/ ١٨.
[٣] أخرجه أحمد في المسند، ١/ ٣٧٩، عن عبد اللّه بن مسعود بلفظ: «إن اللّه نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى اللّه عليه و سلم خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فأبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن. و ما رأوه سيئا فهو عند اللّه سيئ». و عند أبي داود الطيالسي بلفظ: «فما رآه المؤمنون حسنا فهو عند اللّه حسن، و ما رآه قبيحا فهو عند اللّه قبيح». المسند ٣٣.
[٤] هذا جزء من حديث أخرجه مسلم في الصحيح، ٤/ ٢٠٥٩، عن جرير بن عبد اللّه، كتاب العلم (٤٧) ، باب من سن في الإسلام سنة حسنة أو سيئة (٦) ، حديث رقم ١٥/ ١٠١٧، و تمامه «من سن في الإسلام سنة حسنة، فعمل بها بعده، كتب له مثل آخر من عمل بها، و لا ينقص من أجورهم شيء. و من سن سنة سيئة، فعمل بها بعده، كتب عليه مثل وزر من عمل بها، و لا ينقص من أوزارهم شيء».
[٥] مسلم: هو الإمام مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، أبو الحسين. ولد بنيسابور عام ٢٠٤ ه/ ٨٢٠ م. و توفي بضواحي نيسابور عام ٢٦١ ه/ ٨٧٥ م. حافظ من أئمة الحديث و علمائه. له العديد من المصنفات خاصة الصحيح في الحديث. الأعلام ٧/ ٢٢١، تذكرة الحفاظ ٢/ ١٥٠، تهذيب التهذيب ١٠/ ١٢٦، وفيات الأعيان ٢/ ٩١، تاريخ بغداد ١٣/ ١٠٠، طبقات الحنابلة ١/ ٣٣٧، البداية و النهاية ١١/ ٣٣.