كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٧١٣ - التقسيم الرابع
بالاختياري. فالحمد أيضا غير مختصّ بالاختياري كالمدح، و اختاره السيّد السّند في حاشية إيساغوجي، و استدل عليه بقوله تعالى عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [١] و بالحديث المأثور «و ابعثه المقام المحمود الذي وعدته» [٢].
قال: و الحمل على الوصف المجازي وصفا له بوصف صاحبه كالكتاب الكريم و الأسلوب الحكيم صرف عن الظاهر. ثم معنى الجميل الاختياري هو الصادر بالاختيار كما هو المشهور أو الصادر عن المختار و إن لم يكن مختارا فيه، كما قال به بعض المتأخرين. فعلى القول الثاني لا نقض بصفات اللّه تعالى لأنّ صفاته تعالى صادرة عن المختار و هو ذاته تعالى أي مستندة إليه، و إن لم تكن صادرة عنه بالاختيار. و كذا على القول الأول بأن يراد بالاختياري أعمّ من أن يكون اختياريا حقيقة أو بمنزلة الاختياري. و الصفات المذكورة بمنزلة الأفعال الاختيارية لاستقلال الذات فيها و عدم احتياجه فيها إلى أمر خارج كما هو شأن الأفعال الاختيارية. و فيه أنّ ذات الواجب تعالى يحتاج في بعض الأفعال الاختيارية إلى خارج كإرزاق زيد مثلا فإنه يحتاج فيه إلى وجود زيد، فالأولى أن يقال المراد بالاختيار المعنى الأعم المشترك بين القادر و الموجب و هو كون الفاعل بحيث إن شاء فعل و إن لم يشأ لم يفعل، فإنّه متّفق عليه بين المتكلّمين و الحكماء في الواجب و غيره، لا كونه بحيث يصحّ منه الفعل و الترك لأنّه مقابل للإيجاب، هكذا يستفاد مما ذكر صاحب الاطول و أبو الفتح في حاشية الحاشية الجلالية.
و بالقيد الأخير خرج الاستهزاء و السخرية إذ لا بدّ في الحمد أن يكون ذلك الوصف على قصد التعظيم بأن لا يكون هناك قرينة صارفة عن ذلك القصد لأنّه إذا عرى عن مطابقة الاعتقاد أو خالفه أفعال الجوارح و نحوها لم يكن حمدا حقيقة، بل كان من السخرية و الاستهزاء. لا يقال فقد اعتبر في الحمد فعل الجنان و الأركان أيضا لأنّا نقول إنّ كلّ واحد منهما شرط لكون فعل اللسان حمدا لا ركن منه. و في أسرار الفاتحة المدح يكون قبل الإحسان و بعده، و الحمد لا يكون إلّا بعده.
و أيضا قد يكون منهيا كما قال عليه السلام:
«احثوا التراب على وجوه المدّاحين» [٣].
و الحمد مأمور به مطلقا. قال عليه السلام: «من لم يحمد الناس لم يحمد اللّه» [٤] انتهى. و لا يخفى ما فيه من المخالفة لما سبق عن عموم الحمد النعم الواصلة إلى الحامد و غيرها.
ثم اعلم أنّ القول المخصوص الذي يحمدون به إنّما يريدون به إنشاء الحمد و إيجاد الوصف لا الإخبار به، فهو إنشاء لا خبر؛ و ليس ذلك القول حمدا بخصوصه بل لأنّه دالّ على صفة الكمال و مظهر لها، أي لها مدخل تام في ذلك. و من ثمّ أي من أجل أنّ لدلالته على صفة الكمال و إظهاره لها مدخلا تاما في كونه حمدا عبّر بعض المحقّقين من الصوفية عن إظهار الصفات الكمالية بالحمد تعبيرا عن اللازم
[١] الاسراء/ ٧٩.
[٢] صحيح البخاري، كتاب الآذان، باب (الدعاء عند النداء)، حديث (١١) ، ١/ ٢٥٣ بلفظ مقاما محمودا. البغوي ٢/ ٢٨٣ رقم ٤٢٣ عن جابر.
[٣] صحيح مسلم، كتاب الزهد، باب (النهي عن المدح) حديث ٦٩ (٣٠٠٢) ، ٤/ ٢٢٩٧ بلفظ: إذا رأيتم المداحين احثوا في وجوههم التراب.
[٤] الترمذي، الجامع، كتاب البر، باب (الشكر لمن أحسن إليك) حديث (١٩٥٥) ، ٤/ ٣٣٩، بلفظ لم يشكر الناس من لم يشكر اللّه.