كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٩٨٢ - فائدة
و التشديد لغة الطريقة مطلقة و لو غير مرضية.
و شرعا اسم للطريقة المرضية المسلوكة في الدين من غير افتراض و لا وجوب. و المراد بالمسلوكة في الدين ما سلكها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أو غيره ممّن هو علم في الدين كالصحابة رضي اللّه عنهم لقوله عليه الصلاة و السلام: «عليكم بسنتي و سنة الخلفاء الراشدين من بعدي» [١]، أو ما أجمع عليه جمهور الأمة لقوله عليه الصلاة و السلام «اتبعوا السواد الأعظم فإنه من شذّ شذّ في النار» [٢]. و عرفا بلا خلاف هي ما واظب عليه مقتدى نبيّا كان أو وليّا و هي أعمّ من الحديث لتناولها للفعل و القول و التقرير، و الحديث لا يتناول إلّا القول، و القول أقوى في الدلالة على التشريع من الفعل لاحتمال الفعل اختصاصه به عليه السلام، و الفعل أقوى من التقرير لأنّ التقرير يطرقه من الاحتمال ما لا يطرق الفعل.
و لذلك كان في دلالة التقرير على التشريع خلاف العلماء الذين لا يخالفون في تشريع الفعل. و مطلق السنة قال بعضهم تصرف إلى سنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم. و قال الأكثرون إنّها لا تقتضي الاختصاص بسنة النبي عليه الصلاة و السلام لأنّ المراد [٣] في عرف الشرعية طريقة الدين إمّا للرسول بقوله أو فعله أو للصحابة.
و عند الشافعي مختصّة بسنة رسول اللّه عليه الصلاة و السلام، و هذا بناء على أنّه لا يرى تقليد الصحابة رضي اللّه عنهم لما روي عن الشافعي أنّه قال: ما روي عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم فعلى الرأس و العين، و ما روي عن الصحابة فهم أناس و نحن أناس. و عندنا لمّا وجب تقليد الصحابة كانت طريقتهم متّبعة بطريق الرسول فلم يدل إطلاق السنة على أنّه طريقة النبي عليه السلام. و السّنة المطلقة على نوعين: سنة الهدى و تقال لها السنة المؤكّدة أيضا كالآذان و الإقامة و السنن الرواتب، و حكمها حكم الواجب. و في التلويح ترك السنّة المؤكّدة قريب من الحرام، فيستحق حرمان الشفاعة، إذ معنى القرب إلى الحرمة أنّه يتعلّق به محذور دون استحقاق العقوبة بالنار. و السنة الزائدة كالسّواك و النوافل المعينة و هي ندب و تطوع. و سنة الكفاية كسلام واحد من جماعة و الاعتكاف أيضا سنة الكفاية كما في البحر الرائق و سنة عادة كالتيامن من الترجّل و التنعّل. و السّنّي منسوب إلى السّنّة انتهى من الكليات.
و حجة الإمام الأعظم على وجوب تقليد الصحابة و أقوالهم و أحوالهم قول النبي صلّى اللّه عليه و سلم و عليهم أجمعين في المشكاة و تيسير الوصول [٤] في كتاب الاعتصام بالكتاب و السنة «من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي و سنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسّكوا بها و عضّوا عليها بالنواجذ، و إيّاكم و محدثات الأمور، فإنّ كلّ محدثة بدعة، و كلّ بدعة ضلالة. أخرجه أحمد و أبو داود و الترمذي و ابن ماجه. و أيضا في المشكاة و التيسير في الكتاب
[١] سنن الترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة، ح (٢٦٧٦) ، ٥/ ٤٤.
دون لفظ: «من بعدي».
[٢] الحاكم، المستدرك، كتاب العلم، باب من شذ شذ في النار، ١/ ١١٥.
[٣] المقصود (م، ع).
[٤] تيسير الوصول (فقه، اصول). تيسير الوصول إلى جامع الاصول. هو مختصر لكتاب جامع الاصول لاحاديث الرسول لابي السعادات مبارك بن محمد المعروف بابن الاثير الجزري الشافعي (- ٦٠٦ ه). و هو للشيخ عبد الرحمن بن علي الشهير بابن الديبع الشيباني اليمني المتوفى سنه ٩٥٠ ه و قيل ٩٤٤ ه. حاجي خليفة: كشف الظنون، ١/ ٥٣٧. البغدادي، هدية العارفين، ١/ ٥٤٥. سركيس، معجم المطبوعات، ص ١٠٦٠.