كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٤٠ - علم الفقه
التي ترجع إلى أنّ الأولى مثبتة للثانية بعضها ناشئة عن الأدلة و بعضها عن الأحكام؛ فموضوع هذا العلم هو الأدلة الشرعية و الأحكام إذ يبحث فيه عن العوارض الذاتية للأدلة الشرعية، و هي إثباتها للحكم، و عن العوارض الذاتية للأحكام، و هي ثبوتها بتلك الأدلة. و ان شئت زيادة التحقيق فارجع إلى التوضيح و التلويح.
علم الفقه:
و يسمى هو و علم أصول الفقه بعلم الدراية أيضا على ما في مجمع السلوك. و هو معرفة النفس ما لها و ما عليها، هكذا نقل عن أبي حنيفة. و المراد بالمعرفة إدراك الجزئيات عن دليل، فخرج التقليد، قال المحقق التفتازاني: القيد الأخير في تفسير المعرفة مما لا دلالة عليه أصلا لا لغة و لا اصطلاحا، و قوله: ما لها و ما عليها يمكن أن يراد به ما ينتفع به [١] النفس و ما يتضرر به [٢] في الآخرة، على أن اللام للانتفاع، و على للضرر. و في التقييد بالأخروي احتراز عما ينتفع به أو يتضرر به في الدنيا من اللذات و الآلام؛ و المشعر بهذا التقييد شهرة أن علم الفقه من العلوم الدينية. فإن أريد بهما الثواب و العقاب، فاعلم أنّ ما يأتي به المكلّف إما واجب أو مندوب أو مباح أو مكروه كراهة تنزيه أو تحريم أو حرام، فهذه ستة، و لكل واحد طرفان: طرف الفعل و طرف الترك، فصارت اثنتي عشرة؛ ففعل الواجب مما يثاب عليه، و فعل الحرام و المكروه تحريما مما يعاقب عليه، و الباقي لا يثاب و لا يعاقب عليه، فلا يدخل في شيء من القسمين. و إن أريد بالنفع الثواب و بالضرر عدمه، ففعل الواجب و المندوب من الأول، و البواقي من الثاني. و يمكن أن يراد بما لها و ما عليها ما يجوز لها و ما يجب عليها، ففعل ما سوى الحرام و المكروه تحريما و ترك ما سوى الواجب يجوز، و فعل الواجب و ترك الحرام و المكروه تحريما مما يجب عليها، فبقي فعل الحرام و ترك الواجب و فعل المكروه تحريما خارجا عن القسمين. و يمكن أن يراد بهما ما يجوز لها و ما يحرم عليها، فيشتملان جميع الأقسام. إذا عرفت هذا فالحمل على وجه لا تكون بين القسمين واسطة أولى.
ثم ما لها و ما عليها يتناول الاعتقاديات كوجوب الإيمان و نحوه، و الوجدانيات أي الأخلاق الباطنة و الملكات النفسانية و العمليات كالصوم و الصلاة و البيع و نحوها. فمعرفة ما لها و ما عليها من الاعتقاديات هي علم الكلام، و معرفة ما لها و ما عليها من الوجدانيات هي علم الأخلاق و التصوّف، كالزهد و الصبر و الرضا و حضور القلب في الصلاة و نحو ذلك. و معرفة ما لها و ما عليها من العمليات هي الفقه المصطلح. فإن أريد بالفقه هذا المصطلح زيد عملا على قوله ما لها و ما عليها. و إن أريد ما يشتمل الأقسام الثلاثة فلا يزاد قيد عملا. و أبو حنيفة إنما لم يزد قيد عملا لأنه أراد الشمول أي أطلق الفقه على العلم بما لها و ما عليها، سواء كان من الاعتقاديات أو الوجدانيات أو العمليات، و لذا سمّى الكلام فقها أكبر.
و ذكر الإمام الغزالي أن الناس تصرّفوا في اسم الفقه، فخصّوه بعلم الفتاوى و الوقوف على دلائلها و عللها. و اسم الفقه في العصر الأول كان مطلقا على علم الآخرة، و معرفة دقائق آفات النفوس، و الاطلاع على الآخرة و حقارة الدنيا، و لذا قيل: الفقيه هو الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة،
[١] تنتفع (م).
[٢] تتضرر (م).