كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٢٨ - فائدة
القدير الأدب الخصال الحميدة. و المراد بالأدب في قول الفقهاء كتاب أدب القاضي أي ما ينبغي للقاضي أن يفعله لا ما عليه انتهى. و الأولى التعبير بالملكة لأنها الصفة الراسخة للنفس، فما لم يكن كذلك لا يكون أدبا كما لا يخفى، كذا في البحر الرائق شرح الكنز [١] في كتاب القضاء.
و الفرق بينه و بين التعليم أن التأديب يتعلّق بالمرادات [٢] و التعليم بالشرعيّات، أي الأول عرفي و الثاني شرعي، و الأول دنيوي و الثاني ديني، كما في الكرماني [٣] شرح صحيح البخاري [٤] في باب تعليم الرجل. و في التلويح في بحث الأمر التأديب قريب من النّدب إلّا أنّ النّدب لثواب الآخرة و التأديب لتهذيب الأخلاق و إصلاح العادات انتهى.
و قد يطلقه الفقهاء على المندوب في جامع الرموز و ما وراء ما ذكر من الفرائض و الواجبات في الحجّ سنن تاركها مسيء و آداب تاركها غير مسيء و قد يطلقونه على السّنة في جامع الرموز في بيان العمرة و ما سوى ذلك سنن و آداب تاركها مسيء. و في البزازية [٥] في كتاب الصلاة في الفصل الثاني الأدب ما فعله الشارع مرة و تركه أخرى، و السنة ما واظب عليه الشارع، و الواجب ما شرع لإكمال الفرض و السنة لإكمال الواجب و الأدب لإكمال السنة انتهى كلامه.
و قيل الأدب عند أهل الشرع الورع و عند أهل الحكمة صيانة النفس. و حكي أنّ حاتم الأصم [٦] قدّم رجله اليسرى عند دخوله المسجد فتغيّر لونه و خرج مذعورا و قدّم رجله اليمنى، فقيل ما ذلك فقال: لو تركت أدبا من آداب الدين خفت أن يسلبني اللّه جميع ما أعطاني.
و قال حكيم الأدب مجالسة الخلق على بساط الصدق و مطابقة الحقائق. و قال أهل التحقيق الأدب الخروج من صدق الاختيار و التضرّع على بساط الافتقار كذا في خلاصة السلوك [٧]. و قيل ليس الأدب في كسب الأعمال التّعبدية و لا السعي في طلب الحق، بل التواضع إلى حدّ التراب، و ما عدا ذلك فقلّة أدب [٨].
و في تعريفات الجرجاني الأدب عبارة عن معرفة ما يحترز به عن جميع أنواع الخطأ، و أدب القاضي و هو التزامه لما ندب إليه الشرع من بسط العدل و رفع الظلم و ترك الميل انتهى.
و آداب البحث يجيء في ذكر علم المناظرة.
[١] البحر الرائق شرح كنز الدقائق لزين العابدين بن ابراهيم بن محمد بن نجم المصري الحنفي (- ٩٧٠ ه). القاهرة، المطبعة العلمية ١٣١١. كشف الظنون ٢/ ١٥١٥.
[٢] بالعادات (ع)، بالمروءات (م).
[٣] الكرماني هو محمد بن يوسف بن علي بن سعيد، شمس الدين الكرماني. ولد بكرمان عام ٧١٧ ه/ ١٣١٧ م. و توفي بالقرب من بغداد عام ٧٨٦ ه/ ١٣٨٤ م. عالم بالحديث له عدة تصانيف. الاعلام ٧/ ٥٣، الدرر الكامنة ٤/ ٣١٠، بغية الوعاة ١٢٠، مفتاح السعادة ١/ ١٧٠.
[٤] مجمع البحرين و جواهر الحبرين في شرح البخاري لتقي الدين يحي بن شمس الدين محمد بن يوسف بن علي البغدادي المعروف بابن الكرماني (- ٨٣٣ ه). هدية العارفين ٢/ ٥٢٧.
[٥] الفتاوي البزازية أو البزازية في الفتاوي و تعرف أيضا بالجامع الوجيز لحافظ محمد بن محمد بن شهاب بن يوسف الكردري الشهير بالبزازي أو بابن البزاز (- ٨٢٧ ه)، فرغ من تأليفه سنة ٨١٢ ه. قازان ١٣٠٨. كشف الظنون ١/ ٢٤٢. معجم المطبوعات ٥٥٥- ٥٥٦.
[٦] هو حاتم بن عنوان، أبو عبد الرحمن، المعروف بالأصم. توفي ٢٣٧ ه/ ٨٥١ م. زاهد، اشتهر بالورع و التقشف و كان يقال له: لقمان هذه الأمة. الاعلام ٢/ ١٥٢، اللباب ١/ ٥٧.
[٧] خلاصة السلوك في نيل الرفعة و السموك لحاجي بن سعيد القرشي (- ٩٦٧ ه)،GALS ,II ، ١٠٢٠.
[٨] ادب نه كسب عبادت نه سعي حق طلبي است. بغير خاك شدن هرچه هست بي ادبي است.