كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٤٥٧ - فائدة
البرية، و مفارقة الأخلاق الطبعية [١]، و إخماد الصفات البشرية، و مجانبة الدّعاوي النفسانية، و منازلة الصفات الروحانية، و التعلّق بالعلوم الحقيقية، و استعمال ما هو أولى على السرمدية، و النصح لجميع الأمة و الوفاء للّه تعالى على الحقيقة، و اتّباع رسوله صلى اللّه عليه و سلم في الشريعة. و قيل ترك الاختيار و قيل بذل المجهود و الأنس بالمعبود. و قيل حفظ حواشيك [٢] من مراعاة أنفاسك. و قيل الإعراض عن الاعتراض. و قيل هو صفاء المعاملة مع اللّه تعالى، و أصله التفرّغ عن الدنيا. و قيل الصبر تحت الأمر و النهي.
و قيل خدمة التشرّف و ترك التكلّف و استعمال التطرّف. و قيل الأخذ بالحقائق و الكلام بالدقائق و الإياس بما [٣] في أيدي الخلائق، كذا في الجرجاني.
اعلم أنّه قيل إنّ التصوّف مأخوذ من الصّفاء و هو محمود في كل لسان، و ضدّه الكدورة و هو مذموم في كل لسان. و في الخبر ورد أنّ النبي المصطفى صلى اللّه عليه و آله و سلم قال: «ذهب صفاء الدنيا و لم يبق إلا كدرها».
إذن: الموت يعتبر اليوم تحفة لكلّ مسلم.
و قد اشتق ذلك الاسم من الصّفاء حتى صار غالبا على رجال هذه الطائفة؛ أمّا في عصر النبي صلى اللّه عليه و سلم فكان اسم الصحابة هو ما يطلق على أكابر الأمّة، ثم كانت الطبقة التالية طبقة التابعين، ثم كانت الطبقة الثالثة أتباع التابعين، ثم صار يطلق على من يعتنون بأمر الدين أكثر من غيرهم اسم الزّهاد و العبّاد، ثم بعد ظهور أهل البدع و ادعائهم الزهد و العبادة انفرد أهل السّنّة بتسمية الخواصّ منهم ممن يراعون الأنفاس باسم الصوفية. و قد اشتهروا بهذا الاسم، حتى إنهم قالوا: إنّ اطلاق هذا الاسم على الأعلام إنّما عرف قبل انقضاء القرن الثاني للهجرة.
و جاء في توضيح المذاهب: أمّا التصوّف في اللغة فهو ارتداء الصوف و هو من أثر الزّهد في الدنيا و ترك التنعّم. و في اصطلاح أهل العرفان: تطهير القلب من محبة ما سوى اللّه، و تزيين الظاهر من حيث العمل و الاعتقاد بالأوامر و الابتعاد عن النواهي، و المواظبة على سنّة النبي صلى اللّه عليه و سلم. و هؤلاء الصوفية هم أهل الحق، و لكن يوجد قسم منهم على الباطل ممّن يعدّون أنفسهم صوفية و ليسوا في الحقيقة منهم، و هؤلاء عدّة من الفرق إليك بعض أسمائها: الجبية و الأوليائية و الشمراخية و الإباحية و الحالية و الحلولية و الحورية و الواقفية و المتجاهلية و المتكاسلية و الإلهامية.
و ما تسمية هؤلاء بالصوفية إلا من قبيل إطلاق السّيد على غير السّيد. و أمّا مراتب الناس على اختلاف درجاتهم فعلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الواصلون الكمّل و هم الطبقة العليا.
القسم الثاني: السالكون في طريق الكمال، و هؤلاء هم الطبقة الوسطى.
و القسم الثالث: سكان الأرض و الحفر (أهل المادة) «اللاصقون بالتراب» و هؤلاء هم الطبقة السفلى التي غايتها تربية البدن بتحصيل الحظوظ المادّية كالشهوات النّفسانية و المتع الشّهوانية و زينة اللباس، و ليس لهم من العبادات سوى حركة الجوارح الظاهرية.
و أما القسم الأول الواصلون فهم أيضا
[١] الطبيعية (م).
[٢] حواسك (م).
[٣] عما (م).