كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٤٥٨ - فائدة
قسمان:
الأول: و هم مشايخ الصوفية الذين حصّلوا مرتبة الوصول بسبب كمال متابعتهم و اقتدائهم بالنبيّ صلى اللّه عليه و سلم. ثم بعد ذلك أذن لهم بدعوة الناس إلى سلوك طريق اقتفاء النبي صلى اللّه عليه و سلم.
و هؤلاء هم الكاملون و المكمّلون الذين وصلوا بالعناية الإلهية إلى ميدان البقاء بعد ما فنوا عن ذواتهم و استغرقوا في عين الجمع.
و أمّا القسم الثاني من الفئة الأولى فهم الذين بعد وصولهم إلى درجة الكمال لم يؤذن لهم بإرشاد عامّة النّاس، و صاروا غرقى في بحر الجمع، و فنوا في بطن حوت الفناء و لم يصلوا إلى ساحل البقاء.
و أمّا السالكون فهم أيضا قسمان:
١- الطالبون لوجه اللّه. ٢- و الطالبون للجنّة و الآخرة.
فأمّا الطالبون لوجه الحقّ فهم طائفتان:
المتصوّفة الحقيقيون و الملامتيّة. و المتصوفة الحقيقيون هم جماعة تنزّهوا عن نقص الصفات البشرية. و اتصفوا ببعض أحوال الصوفية، و اقتربوا من نهايات مقاماتهم، إلّا أنّهم ما زالوا متشبّثين ببعض أهواء النفوس، و لهذا لم يدركوا تماما نهاية الطريق كأهل القرب من الصوفية.
و أمّا الملامتية فهم قوم يسعون بكلّ جدّ في رعاية معنى الإخلاص و دون ضرورة كتم طاعاتهم و عباداتهم عن عامة النّاس. كما يكتم العاصي معصيته، فهم خوفا من شبهة الرّياء يتحرّزون عن إظهار عباداتهم و طاعاتهم. و لا يتركون شيئا من أعمال البرّ و الصّلاح، و مذهبهم المبالغة في تحقيق معنى الإخلاص.
و قال بعضهم: الملامتيّة لا يظهرون فضائلهم و لا يسترون سيئاتهم، و هذه الطائفة نادرة الوجود. و مع ذلك لم يزل حجاب الوجود البشري عن قلوبهم تماما، و لهذا فهم محجوبون عن مشاهدة جمال التوحيد. لأنّهم حين يخفون أعمالهم فهم ما زالوا ينظرون إلى قلوبهم. بينما درجة الكمال أن لا يروا أنفسهم و لا يبالوا بها و أن يستغرقوا في الوحدة. قال الشاعر:
ما هو الغير؟ و أين الغير؟ و اين صورة الغير؟ فلا و اللّه ما ثمّة في الوجود سوى اللّه.
و الفرق بين الملامتيّة و الصوفية هو أنّ الصوفية جذبتهم العناية الإلهية عن وجودهم فألقوا حجاب الخلقة البشرية و الأنانية عن بصيرة شهودهم فوصلوا إلى درجة غابوا منها عن أنفسهم و عن الخلق. فإذن الملامتية مخلصون بكسر اللام، و الصوفية مخلصون بفتح اللام. أي أنّ الملامتيّة يخلّصون أعمالهم من شائبة الرّياء بينما الصوفية يستخلصهم اللّه تعالى.
و أمّا طلّاب الآخرة فهم أربعة طوائف:
الزّهاد و الفقراء و الخدام و العبّاد. أمّا الزهاد:
فهم الذين يشاهدون بنور الإيمان حقيقة الآخرة و جمال العقبى، و يعدّون الدنيا قبيحة و يعرضون عن مقتضيات النفس بالكلية، و يقصدون الجمال الأخروي.
و الفرق بينهم و بين الصوفية هو أنّ الزاهد بسبب ميله لحظّ نفسه فهو محجوب عن الحق، و ذلك لأنّ الجنة دار فيها ما لا عين رأت و لا أذن سمعت. بينما الصوفية لا يتعلّق نظرهم بشيء سوى اللّه.
و أمّا الفقراء منهم طائفة لا يميلون إلى تملّك أيّ شيء من حطام الدنيا. و ذلك بسبب رغبتهم فيما عند اللّه. و علّة ذلك واحد من ثلاثة أشياء: الأمل بفضل اللّه، أو تخفيفا للحساب أو خوفا من العقاب، لأنّ حلالها حساب و حرامها عقاب، و الأمل بفضل اللّه ثواب و يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام. و رغبة في جمع همتهم في طلب العبادة مع حضور القلب فيها.