كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٠٢٢ - حرف (الشين) (ش)
من أهل الصين و الهند كانوا يثبتون الإله و الملائكة إلّا أنّهم يعتقدون أنه تعالى جسم ذو صورة حسنة و كذا الملائكة، لكنهم احتجبوا عنّا بالسماوات فاتخذوا صورا و تماثيل، فيتّخذون صورة في غاية الحسن و يقولون إنّها هيكل الإله و صورة أخرى دونها في الحسن و يجعلونها صورة الملائكة، ثم يواظبون على عبادتها قاصدين بتلك العبادة الزّلفى من اللّه و ملائكته.
فالسبب على عبادة الأوثان على هذا اعتقاد أنّ اللّه سبحانه جسم و في مكان. الوجه الثالث أنّ القوم يعتقدون أنّ اللّه فوّض تدبير كلّ من الأقاليم إلى ملك معيّن و فوّض تدبير كلّ قسم من أقسام العالم إلى روح سماوي بعينه، فيقولون مدبّر البحار ملك، و مدبّر الجبال ملك آخر و هكذا، فاتخذوا لكلّ واحد من الملائكة المدبّرة صنما مخصوصا، و يطلبون من كلّ صنم ما يليق بذلك الروح الكلّي. و للقوم هاهنا تأويلات أخر تركناها لمخافة الإطناب.
اعلم أنّهم اختلفوا في أنّ لفظ المشرك يتناول الكفّار من أهل الكتاب فأنكر بعضهم ذلك و قال: اسم المشرك لا يتناول إلّا عبدة الأوثان لقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَ الْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ [١] الآية. فاللّه تعالى عطف المشركين على أهل الكتاب، و العطف يقتضي المغايرة بين المعطوف و المعطوف عليه.
و الأكثرون من العلماء على أنّ المشرك يتناول الكفار من أهل الكتاب أيضا، و هو المختار.
قال أبو بكر الأصم [٢] كلّ من جحد رسالته فهو مشرك، قال اللّه تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [٣]. فقد دلّت الآية على أنّ ما سوى الشّرك قد يغفر [٤] اللّه تعالى في الجملة. فلو كان كفر اليهود و النصارى ليس بشرك لوجب أن يغفر لهم اللّه تعالى في الجملة، و ذلك باطل.
و الجواب عن الآية بوجهين: الأول أنّ لفظ المشركين عطف على الذين الخ، و المعنى أنّ الذين كانوا مؤمنين بنبي من الأنبياء أو كانوا من أهل الكتاب ثم كفروا بمحمد صلى اللّه عليه و آله و أصحابه و سلّم و لم يؤمنوا به فأشركوا، به، و إنّ الذين كانوا مشركين من الابتداء كلاهما في نار جهنم الخ. و الثاني أنّ عطف المشركين على أهل الكتاب من قبيل عطف العام على الخاص، و المعنى أنّ الذين كفروا من أهل الكتاب و جميع المشركين سواء كانوا من أهل الكتاب كاليهود و النصارى و عبدة الأوثان كلّهم في نار جهنم. ثم القائلون بدخول اليهود و النصارى تحت اسم المشرك اختلفوا على قولين: فقال قوم وقوع هذا الاسم عليها [٥] من حيث اللغة. و قال الجبائي و القاضي هذا الاسم من جملة الأسماء الشّرعية لأنّه تواتر النقل عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أنّه كان يسمّي كلّ من كان كافرا بالمشرك، و قد كان في الكفار من لا يثبت إلها أصلا أو كان شاكّا في وجوده، أو كان شاكّا في وجود الشّريك. و قد كان فيهم من كان عند البعثة منكرا للبعث و القيمة، فلا جرم كان منكرا للبعثة و للتكليف، و ما كان يعبد شيئا من الأوثان. و عابدوا الأوثان فيهم من كانوا لا يقولون إنّهم شركاء اللّه في الخلق، و تدبير العالم، بل كانوا يقولون هؤلاء شفعاؤنا عند
[١] البينة/ ٦.
[٢] هو عبد الرحمن بن كيسان، أبو بكر الأصم. توفي نحو ٢٢٥ ه/ نحو ٨٤٠ م. فقيه معتزلي مفسّر، فصيح اللسان. كانت له مناظرات مع العلّاف. له عدة كتب. الأعلام ٣/ ٣٢٣، طبقات المعتزلة ٥٦، لسان الميزان ٣/ ٤٢٧.
[٣] النساء/ ٤٨.
[٤] يغفره (م).
[٥] عليهما (م).