كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٩٦٣ - فائدة
يقال الحروف إمّا متحرّك أو ساكن، و لا يراد بهذا حلول الحركة و السكون فيها لأنّ الحلول من خواص الأجسام، بل يراد بكونه متحركا أن يكون الحرف الصامت بحيث يمكن أن يوجد عقيبه مصوت من المصوتات. و بكونه ساكنا أن يكون بحيث لا يمكن أن يوجد عقيبه شيء من تلك المصوتات. ثم إنّهم بعد اتفاقهم على عدم جواز الابتداء بالساكن إذا كان حرفا مصوتا اختلفوا في جواز الابتداء بالساكن الصامت، فقد منعه قوم للتجربة، و جوّزه آخرون لأنّ ذلك أي عدم إمكان الابتداء ربّما يختصّ بلغة العرب، و يجوز في لغة أخرى، كما في اللغة الخوارزمية مثلا، فإنّا نرى في المخارج اختلافا كثيرا. فإنّ بعض الناس يقدر على التلفّظ بجميع الحروف و بعضهم لا يقدر على تلفظ البعض.
و هل يمكن الجمع بين الساكنين؟ إمّا صامت مدغم في مثله قبله مصوت نحو وَ لَا الضَّالِّينَ [١] فجائز بالاتفاق. و إمّا الصامتان أو صامت غير مدغم قبله مصوت فجوّزه قوم كما في الوقف على الثلاثي الساكن الأوسط كزيد و عمر، بل جوّزوا أيضا جمع ساكنين صامتين قبلهما مصوت فيجتمع حينئذ ثلاث سواكن كما يقال في الفارسية كارد و گوشت. و منهم من منعه و جعل ثمة حركة مختلسة خفية جدا لا تحسّ بها على ما ينبغي، فيظنّ أنّه اجتمع ساكنان أو أكثر. و أمّا اجتماع ساكنين مصوتين أو صامت بعده مصوت فلا نزاع في امتناع ذلك، هكذا في شرح المواقف في بحث المسموعات.
و ثانيهما ما هو من صفات الأجسام، فقال المتكلمون هو أمر وجودي مضادّ للحركة، و فسّر بالحصول في المكان مطلقا. و قيل هو الحصول في المكان أكثر من زمان واحد. و بعبارة أخرى الكون في الحيّز المسبوق بكون آخر في ذلك الحيّز فهو من مقولة الأين و يجيء في لفظ الكون.
و قالت الحكماء السكون عدم الحركة عما من شأنه أن يتحرّك، و بهذا القيد خرجت المفارقات. فإنّ الحركة و إن كانت مسلوبة عنها لكن ليست من شأنها الحركة، فالتقابل بينه و بين الحركة تقابل العدم و الملكة و أورد عليه أنّه يلزم كون الإنسان المعدوم ساكنا إذ يصدق عليه أنّه عديم الحركة عمّا من شأنه أن يتحرّك في حال حياته، و أنّه يلزم أن يكون الجسم في آن الحدوث ساكنا بمثل ما مرّ، و أنّه يلزم أن لا يكون الفلك ساكنا بالحركة الأينية، إذ ليست من شأن تلك الحركة، لاستحالتها عليه، لكونه محدّدا للجهات.
و أجيب بأنّ المراد [٢] ما من شأنه الحركة بالنظر إلى ذاته في وقت عدم حركته، و الإنسان المعدوم الجسم في آن حدوثه ليست من شأنهما الحركة في هذا الوقت، و إن كانت من شأنهما الحركة في وقت ما، و الفلك من شأنه الحركة الأينية بالنظر إلى ذاته و إن لم تكن بالنظر إلى الغير و هو كونه محدّدا للجهات.
و قال السيد السند في حاشية شرح حكمة العين ناقلا من شرح الملخص إنّ مأخذ الخلاف أنّ الجسم إذا لم يكن متحركا عن مكان كان هناك أمران: أحدهما الحصول في ذلك المكان المعيّن، و ثانيهما عدم حركته عنه. و الأمر الأول ثبوتي من مقولة الأين بالاتفاق و الثاني عدمي بالاتفاق. و المتكلمون أطلقوا لفظ السكون على الأول و الحكماء على الثاني فالنزاع لفظي انتهى.
ثم الحركة كما تقع في المقولات الأربع
[١] الفاتحة/ ٧.
[٢] المقصود (م، ع).