كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٩٦١ - فائدة
و قال العلماء: السّكر بمعنى مستى- فقدان الوعي- حالة تعرض للإنسان من امتلاء دماغه من الأبخرة المتصاعدة من الخمر و ما يقوم مقامها إليه، فيتعطّل معه عقله المميّز بين الأمور الحسنة و القبيحة. قيل السّكر غفلة تعرض للإنسان مع الطّرب و النشاط و فتور الأعضاء من غير مرض و لا علّة بمباشرة ما يوجبها من المأكول و المشروب و المشموم. و قيل هو فتور يغلب على العقل من غير أن يزيله. و قيل هو معنى يزيل [١] به العقل. و في كشف الكبير [٢]:
قيل هو سرور يغلب على العقل بمباشرة بعض الأسباب الموجبة له، فيمنع الإنسان عن العمل بموجب عقله من غير أن يزيله، و لهذا بقي السّكران أهلا للخطاب انتهى. و قال أبو حنيفة:
السّكران هو الذي لا يعقل مطلقا قليلا و لا كثيرا، و لا الرجل من المرأة. و عندهما هو الذي يهذي و يختلط جدّه بهزله و لا يستقرّ على شيء في جواب و خطاب، و إليه مال أكثر المشايخ كما في الهداية. و في فتاوى قاضيخان، قال أبو حنيفة: السّكران من لا يعرف الأرض من السماء و لا الرجل من المرأة. و قال صاحباه إذا اختلط كلامه بالهذيان فهو سكران و عليه الفتوى. و في الملتقط [٣] عن أبي يوسف هو الذي لا يستطيع أن يقرأ قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ [٤] كذا في البرجندي. أقول هذا الاختلاف إنّما هو في وجوب الحدّ بالسّكر في غير الخمر. يعني ما قال الإمام الأعظم في حدّ السّكر إنما هو في وجوب الحدّ عليه بالمسكر [٥] غير الخمر. أمّا في حدّ الحرمة فقوله مثل قولها. و أمّا في وجوب الحدّ بالخمر فلا يشترط السّكر بل يجب الحدّ بشرب القليل من الخمر و لو بقطرة، كما قال في شرح الوقاية: حدّ الشرب ثمانون سوطا بشرب الخمر و لو قطرة.
فمن أخذ بريح الخمر أو سكران زائل العقل بنبيذ إلى قوله يحد صاحبا. اعلم أنّ السكر عند أبي حنيفة في وجوب الحدّ بشرب الأشربة التي هي غير الخمر هو أن لا يعرف شيئا حتى الأرض من السماء؛ و في حق الحرمة أن يهذو، و عندهما يهذو مطلقا أي في وجوب الحرمة و الحدّ و إليه مال أكثر المشايخ. و عند الشافعي أن يظهر أثره في مشيه و حركاته و أطرافه. هذا خلاصة ما في شرح الوقاية.
و السّكر عند الصوفية دهش يلحق سرّ المحبّ في مشاهدة جمال المحبوب فجأة، لأنّ روحانية الإنسان التي هي جوهر العقل لمّا انجذبت إلى جمال المحبوب بعد شعاع العقل عن النفس و ذهل الحسّ عن المحسوس، و ألمّ بالباطن فرح و نشاط و هزّة و انبساط لتباعده عن عالم التفرقة، و أصاب السرّ دهش و وله و هيجان لتحيّر نظره في شهود جمال الحقّ. و تسمّى هذه الحالة سكرا لمشاركتها السّكر الظاهر في الأوصاف المذكورة إلّا أنّ السبب لاستتار نور العقل في السّكر المعنوي غلبة نور الشهود، و في السّكر الظاهر غشيان ظلمة الطبيعة لأنّ النور كما
[١] يزول (م، ع).
[٢] كشف الكبير (فقه). كتاب الكشف في مساوئ الخمر لابي القاسم علي بن جعفر بن علي بن محمد القطاع السعدى المعروف بابن العقل اللغوي نزيل مصر (- ٥١٥ ه). إيضاح المكنون، ٢/ ٣٢٤.
[٣] الملتقط (فقه). الملتقط في الفتاوي الحنفية، للامام ناصر الدين ابي القاسم محمد بن يوسف الحسيني السمرقندي (- ٥٥٦ ه). و هو مآل الفتاوي. ثم جمعه في أواخر شعبان سنة ٥٤٩ ه. كشف الظنون، ٢/ ١٨١٣. هدية العارفين، ٢/ ٩٤.
[٤] الكافرون/ ١.
[٥] بالسكر (م).