كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٦٩٨ - التقسيم
على الشرع، و إلّا لكان الحدّ أعمّ من المحدود لتناوله مثل وجوب الإيمان. و معنى الحكم في قولنا الحكم الشرعي على هذا إسناد أمر إلى آخر، و إلّا لزم تكرار قيد الشرعي. و قال الآمدي الحكم خطاب الشارع لفائدة شرعية. قيل إن فسّر الآمدي الفائدة الشرعية بمتعلّق الحكم فدور، و لو سلّم أن لا دور فلا دليل عليه في اللفظ. و إن فسّرها بما لا تكون حسّية و لا عقلية على ما يشعر به كلامه حيث قال: هذا القيد احتراز عن خطابه بما لا يفيد فائدة شرعية كالإخبار عن المحسوسات و المعقولات، و ردّ على طرد الحدّ إخبار الشارع بالمغيبات كقوله تعالى: وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ [١] فزيد قيد يختصّ به ليخرج ما أورد عليه إذ لا تحصل تلك الفائدة إلّا بالاطلاع على الخطاب لأنّ فائدة الإخبار عن المغيّبات قد يطّلع عليها لا من خطاب الشرع، إذ لكل خبر مدلول خارجي قد يعلم وقوعه بطريق آخر كالإحساس في المحسوسات و الضرورة، و الاستدلال في المعقولات و الإلهام، مثلا في المغيبات فإن للخبر لفظا و معنى ثابتا في نفس المتكلم يدلّ عليه اللفظ فيرتسم في نفس السامع، هو مفهوم الطرفين و الحكم، و متعلقا لذلك المعنى هو النسبة المتحققة في نفس الأمر بين الطرفين يشعر اللفظ بوقوعه في الخارج. لكن الإشعار بوقوعه لا يستلزم وقوعه بل قد يكون واقعا فيكون الخبر صادقا و قد لا يكون فيكون كاذبا، بخلاف الحكم بالمعنى المذكور فإنّه إنشاء و الإنشاء له لفظ و معنى يدلّ عليه لكن ليس لمعناه متعلّق يقصد الإشعار و الإعلام به، بل إنّما يقصد به الإشعار بنفس ذلك المعنى الثابت في النفس كالطّلب مثلا في الإنشاءات الطلبية.
و مثل هذا المعنى لا يعلم إلّا باللفظ توقيفا، أي بطريق جعل السامع واقفا على ثبوته في النفس، فيختصّ بالخطاب الدال عليه. فمثل قوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [٢] إن قصد به الإعلام بنسبة واقعة سابقة كان خبرا فلا يكون حكما بالمعنى المذكور، و إن قصد به الإعلام بالطلب القائم بالنفس كان إنشاء فيكون حكما. قيل هاهنا دور إذ معرفة الخطاب المفيدة فائدة مختصّة به موقوفة على تصوّر الفائدة المختصّة ضرورة توقّف الكلام على تصوّر أجزائه، و هي متوقّفة على الخطاب فيلزم الدور. قيل جوابه أنّ المتوقّف على الخطاب حصول الفائدة، و ما توقّف عليه الخطاب تصوّرها و حصول الشيء غير تصوّره فلا دور. قيل لا حاجة إلى زيادة القيد بل الحدّ مطّرد و منعكس لا غبار عليه و ذلك بأن تفسّر الفائدة الشرعية بتحصيل ما هو حصولها بخطاب الشارع دون ما هو حاصل في نفسه و لو في المستقبل، ورد به خطاب الشرع أم لا، لكنه يعلم بخطابه كالمغيّبات، فإنّ الإخبار عنها لا يحصلها بل يفيد العلم بها.
لكن بقي بعد شيء و هو أنّ مثل قوله تعالى فَنِعْمَ الْماهِدُونَ [٣] و نِعْمَ الْعَبْدُ [٤] يدخل في الحدّ و ليس بحكم.
و منها الأثر الثابت بالشيء كما وقع في الهادية حاشية الكافية في بحث المعرب. و في العارفية حاشية شرح الوقاية [٥] في بيان الوضوء
[١] الروم/ ٣.
[٢] البقرة/ ١٨٣.
[٣] الذاريات/ ٤٨.
[٤] ص/ ٣٠.
[٥] الفوائد العارفية: لسيد مهدي الحنفي من القرن الثاني عشر الهجري بالهند. و هذا الكتاب من شروح الوقاية لصدر الشريعة الأول عبد اللّه بن محمود بن محمد المحبوبي من القرن السابع للهجرة.
بروكلمان، ج ٦، ص ٣٢٥.