كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٢٦٥ - فائدة
يقال إنه امره. و لو قال من هو أدنى رتبة لمن هو أعلى منه افعل على سبيل الأمر يقال إنه أمره، و لهذا يصفونه بالجهل و الحمق. فعلم أن ملاك الأمر هو الاستعلاء. و قوله تعالى حكاية عن فرعون: فَما ذا تَأْمُرُونَ [١] مجاز عن تشيرون للقطع بأن الطلب على سبيل التضرّع أو التساوي لا يسمّى أمرا لا لغة و لا اصطلاحا.
و اعلم أنّه لا نزاع في أنّ الأمر كما يطلق على نفس الصيغة كذلك يطلق على التكلّم بالصيغة، و طلب الفعل على سبيل الاستعلاء.
و بالاعتبار الثاني و هو كون الأمر بمعنى المصدر يشتق منه الفعل و غيره مثل أمر يأمر و الآمر و المأمور و غير ذلك كذا في التلويح. فهذا التعريف باعتبار الإطلاق الأول. و أما ما قيل من أن الأمر هو قول القائل استعلاء افعل فيمكن تطبيقه على كلا الاعتبارين، فإن القول يطلق بمعنى المقول و بمعنى المصدر. قيل المراد بقوله افعل ما اشتق من مصدره اشتقاق افعل من الفعل. و فيه أنه يخرج من التعريف حينئذ نحو ليفعل و نزال. و قيل المراد من افعل كل ما يدل على طلب الفعل من لغة العرب، و لا فساد في اختصاص التعريف بلغة العرب، لأنّ مقصود الأصوليين مراد الألفاظ العربية لمعرفة أحكام الشرع المستفاد من الكتاب و السنة لا غيرها، فدخل في الحدّ نحو ليفعل و نزال.
و قيل افعل كناية عن كل ما يدل على طلب الفعل من صيغ الأمر على أيّ لغة تكون و على أيّ وزن تكون. و يرد على طرد هذا التعريف أنّ صيغة افعل على سبيل الاستعلاء قد تكون للتهديد و التعجيز و نحو ذلك، فإنها ترد لخمسة عشر معنى و ليست بأمر. و يقول العبد الضعيف في جوابه: إن هذا إنما يرد لو فسّر افعل بما اشتق من مصدره اشتقاق افعل من الفعل. و أما على التفسيرين الآخرين فلا يرد شيء. و يردّ على عكس هذا التعريف قول الأدنى للأعلى افعل تبليغا أو حكاية عن الآمر المستعلي، فإنه أمر و ليس على طريق الاستعلاء من القائل. قيل مثله لا يعدّ في العرف مقول هذا القائل الأدنى بل مقول المبلّغ عنه و فيه استعلاء من جهته. أو قيل الأمر اقتضاء فعل غير كفّ على سبيل الاستعلاء، سواء كان في صيغة سمّاها أهل العربية أمرا أو نهيا أو لا، إذ الاعتبار للمعنى دون الصيغة، فاترك و كفّ و نحوهما نهي نظرا إلى المعنى و إن كان أمرا صيغة، و لا تكف و لا تترك و نحوهما أمر لا نهي انتهى. و لا يخفى أنه اصطلاح و لا مشاحة فيه.
اعلم أنّ من أثبت الكلام النفسي عرّف الأمر على ما هو النفسي من الطلب و الاقتضاء و ما يجري مجراهما، و النفسي هو الذي لا يختلف بالأوضاع و اللغات. و إنما عرف به ليعلم أن اللفظي هو ما يدل عليه من أي لغة كانت.
و لذا قيل إنّ الأمر بالحقيقة هو ذلك الاقتضاء، و الصيغة سمّيت به مجازا لدلالتها عليه كذا قيل. فالتعريفان الأولان يحتملان الأمر اللفظي و النفسي. و كذا ما قيل إنه طلب فعل غير كفّ على جهة الاستعلاء، فإنّ الطلب كما يطلق على المعنى المصدري كذلك يطلق على الكلام الدال على الطلب كما يجيء. و ما قيل إنه اقتضاء فعل الخ تعريف للأمر النفسي.
اعلم أنه قد ذكر أصحابنا في الأمر و جوّها مزيفة و كذا المعتزلة. أما أصحابنا فقال القاضي: الأمر هو القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به و ارتضاه الجمهور، و اعترض عليه بأنه مشتمل على الدّور، فإنّ المأمور الواقع في الحدّ مرتين مشتق من الأمر فيتوقف معرفته على معرفة الأمر و أيضا الطاعة
[١] الشعراء/ ٣٥.