كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٨٧٩ - فائدة
العالم الروحي. كمن يهرب عن ضيق إلى سعة.
و لو كان له في المحل الذي يضيق فيه من ينجّيه فلا تحذير [١] من الفرار. ثم لا تزال الروح كذلك إلى أن يصل الأجل المحتوم فيأتيها عزرائيل عليه السلام على صورة مناسبة بحالها عند اللّه من الحسنة أو القبيحة، مثلا يأتي إلى الظالم من عمّال الدّيوان على صفة من ينتقم منه أو على صفة رسل الملك لكن في هيئة منكرة، كما أنّه يأتي إلى الصّلحاء في صورة أحبّ الناس إليهم. و قد يتصوّر لهم بصورة النبي عليه السلام. فإذا شهدوا تلك الصورة خرجت أرواحهم. و تصوّره بصورة النبي عليه السلام و كذا لأمثاله من الملائكة المقرّبين مباح لأنهم مخلوقون من قوى روحية، و هذا التصور من باب تصوّر روح الشخص بجسده، فما تصوّر بصورة محمد عليه السلام إلّا روحه، بخلاف إبليس عليه اللعنة و اتباعه المخلوقين من بشريته لأنّه عليه السلام ما تنبّأ إلّا دما [٢] فيه شيء من البشرية للحديث: «إنّ الملك [أتاه و] [٣] شقّ قلبه فأخرج منه دما فطهّر قلبه» [٤]، فالدّم هي النفس البشرية و هي محلّ الشياطين، فلذا لم يقدر أحد منهم أن يتمثّل بصورته لعدم التناسب.
و كذا يأتي إلى الفرس بصورة الأسد و نحوه، و إلى الطيور على صفة الذابح و نحوه. و بالجملة فلا بد له من مناسبة إلّا من يأتيه على غير صورة مركبة بل في بسيط غير مرئي يهلك الشخص بشمّه. فقد تكون رائحة طيبة و قد تكون كريهة و قد لا تعرف رائحته بل يمرّ عليه كما لا يعرفه.
ثم إنّ الروح بعد خروجه من الجسد أي بعد ارتفاع نظره عنه، إذ لا خروج و لا دخول هاهنا، لا يفارق الجسدية أبدا، لكن يكون لها زمان تكون فيه ساكنة كالنائم الذي ينام و لا يرى شيئا في نومه، و لا يعتدّ بمن يقول إنّ كل نائم لا بد له أن يرى شيئا. فمن الناس من يحفظ و منهم من ينساه. و هذا السكون الأول هو موت الأرواح. أ لا ترى إلى الملائكة كيف عبّر صلى اللّه عليه و سلم عن موتهم بانقطاع الذّكر. ثم إذا فرغ عن مدّة هذا السكون المسمّى بموت الأرواح تصير الروح في البرزخ انتهى ما في الإنسان الكامل.
و نقل ابن منده عن بعض المتكلمين أنّ لكل نبي خمسة أرواح و لكل مؤمن ثلاثة أرواح كذا في المواهب اللدنية [٥]، و في مشكاة الأنوار [٦] تصنيف الإمام حجة الإسلام الغزالي الطوسي أنّ مراتب الأرواح البشرية النورانية خمس. فالأولى منها الروح الحسّاس و هو الذي يتلقى ما يورده الحواس الخمس و كأنه أصل الروح الحيواني و أوله، إذ به يصير الحيوان حيوانا و هو موجود للصبي الرضيع. و الثانية الروح الخيالي و هو الذي يتشبّث ما أورده
[١] من سجنه فلا يجد بدا (م).
[٢] و ما (م).
[٣] [أتاه و] (+ م).
[٤] سيرة ابن هشام. ج ١، ص ١٧٦.
[٥] على الأرجح هو كتاب المواهب اللدنية على الشمائل المحمدية للترمذي من تأليف إبراهيم بن محمد بن أحمد الباجوري المصري الشافعي (- ١٢٥٧ ه) كشف الظنون، ٤/ ٦٠٣.
و تجدر الإشارة إلى أنّ هناك كتاب المواهب اللدنية بالمنح المحمدية و هو في السيرة النبوية للشيخ الإمام شهاب الدين أبي العباس أحمد بن محمد القسطلاني المصري (- ٩٢٣ ه). كذلك هناك شرح لكتاب القواعد الشرعية لسالكي الطريقة المحمدية لشمس الدين محمد ابن عران (- ٩٣٣ ه) شرحه محمد بن إبراهيم الصفوي العراقي و سمّاه المواهب اللدنية.
كشف الظنون، ٢/ ١٣٥٨- ١٨٩٦.
[٦] الغزالي، أبو حامد محمد (- ٥٠٥ ه) حققها و قدم لها أبو العلاء العفيفي و نشرها في القاهرة، الدار القومية، ١٩٦٤.