كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٩١٤ - تنبيه
في الحرام فواجب عام أي في حقّ العارفين و المقربين و غيرهم و في المشتبه فمندوب عام.
و قيل واجب. قال إبراهيم بن أدهم [١]: الزهد فرض في الحرام و فضل في ترك الحلال إن كان أزيد مما لا بدّ منه و مكرمة في ترك الشّبهات، فإنّ ترك الشّبهات سبب للكرامة. و قد قسّم كثير من السلف الزهد إلى ثلاثة أقسام: زهد فرض و هو اتقاء الشّرك الأكبر ثم اتقاء الأصغر و هو أن يراد بشيء من العمل قولا أو فعلا غير اللّه تعالى و هو المسمّى بالرّياء في الفعل و بالسّمعة في القول، ثم اتقاء جميع المعاصي، و هذا الزهد في الحرام فقط. و قيل يسمّى هذا المزهد [٢] زاهدا و عليه الزهري [٣] و ابن عيينة [٤] و غيرهما. و قيل لا يسمّى زاهدا إلّا إن ضمّ ذلك الزهد بنوعيه الآخرين و سواهما ترك الشّبهات رأسا و فضول الحلال. و من ثمّ قال بعضهم لا زهد اليوم لفقد المباح المحض. و قد جمع أبو سليمان الداراني أنواع الزهد كلها في كلمة فقال: هو ترك ما شغلك عن اللّه عز و جل. و قيل: قال العلماء الزهد قسمان: زهد مقدور و هو ترك طلب ما ليس عنده و إزالة ما عنده من الأشياء، و ترك الطلب في الباطن.
و زهد غير مقدور و هو ترك أن يبرد قلبه من الدنيا بالكلية فلا يحبّها أصلا. و إذا حصل للعبد القسم الأول يحصل الثاني أيضا بفضله تعالى و كرمه. و قيل الزهد ترك الحلال من الدنيا و الإعراض عنها و عن شهواتها بترك طلبها، فإنّ طالب الشيء مع الشيء. و قال الجنيد: الزهد خلوّ الأيدي من الأملاك و القلوب من التتبع أي الطلب. و قال السرّي الزهد ترك حظوظ النفس من جميع ما في الدنيا أي لا يفرح بشيء منها و لا يحزن على فقده و لا يأخذ منها إلّا ما يعينه على طاعة ربه أو ما أمر في أخذه مع دوام الذكر و المراقبة و التفكر في الآخرة، و هذا أرفع أحوال الزهد، إذ من وصل إليه إنّما هو في الدنيا بشخصه فقط. و أمّا بمعناه فهو مع اللّه بالمراقبة و المشاهدة لا ينفكّ عنه. و قيل الزاهد الذي شغل نفسه بما أمره مولاه و ترك شغله عن كل ما سواه. و قيل من يخلو قلبه عن المراد [٥] كما يخلو يداه من الأسباب. و قيل هو من لا يأخذ من الدنيا إلّا قوتا. و جميع الأقوال متقاربة كما لا يخفى.
اعلم أنّ العلماء اختلفوا في تفسير المزهود فيه من الدنيا، فقيل: الدينار و الدرهم.
و قيل المطعم و المشرب و الملبس و المسكن، و قيل الحياة. و الوجه كما علم مما سبق أنّه كل لذّة و شهوة ملائمة للنفس حتى الكلام بين مستمعين له ما لم يقصد به وجه اللّه تعالى.
و في حديث مرفوع أخرجه الترمذي و قال غريب و في إسناده من هو منكر الحديث و ابن ماجة:
«الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال و لا إضاعة المال و لكن الزهادة في الدنيا أن لا
[١] هو ابراهيم بن ادهم بن منصور التميمي البلخي، أبو إسحاق. توفي عام ١٦١ ه/ ٧٧٨ م. زاهد مشهور عالم. له أخبار كثيرة. الاعلام ١/ ٣١، تهذيب ابن عساكر ٢/ ١٦٧، البداية و النهاية ١٠/ ١٣٥، حلية الأولياء ٧/ ٣٦٧.
[٢] يسمّى صاحب هذا الزهد (م).
[٣] هو محمد بن مسلم بن عبد اللّه بن شهاب الزهري القرشي، أبو بكر. ولد عام ٥٨ ه/ ٦٧٨ م. و توفي عام ١٢٤ ه/ ٧٤٢ م.
أول من دوّن الحديث، من أكابر الحفّاظ و الفقهاء، تابعي. الاعلام ٧/ ٩٧، تذكرة الحفاظ ١/ ١٠٢، وفيات الاعيان ١/ ٤٥١، تهذيب التهذيب ٩/ ٤٤٥، حلية الأولياء ٣/ ٣٦٠، صفة الصفوة ٢/ ٧٧.
[٤] هو سفيان بن عيينة بن ميمون الهلالي الكوفي، أبو محمد. ولد بالكوفة عام ١٠٧ ه/ ٧٢٥ م. و توفي بمكة عام ١٩٨ ه/ ٨١٤ م. محدّث الحرم المكي. حافظ ثقة، واسع العلم. له عدة كتب. الاعلام ٣/ ١٠٥، تذكرة الحفاظ ١/ ٢٤٢، صفة الصفوة ٢/ ١٣٠، وفيات الأعيان ١/ ٢١٠، حلية الأولياء ٧/ ٢٧٠.
[٥] المقصود (م، ع).