كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٢٩٨ - تنبيهات
من المعتزلة. و القول الثاني أنه معرفة اللّه تعالى مع توحيده بالقلب. و الإقرار باللسان ليس بركن فيه و لا شرط، حتى أن من عرف اللّه بقلبه ثم جحد بلسانه و مات قبل أن يقرّ به فهو مؤمن كامل الإيمان و هو قول جهم بن صفوان [١].
و أما معرفة الكتب و الرسل و اليوم الآخر فزعم أنها داخلة في حدّ الإيمان، و هذا بعيد عن الصواب لمخالفته ظاهر الحديث «بني الإسلام على خمس» [٢]. و الصواب ما حكاه الكعبي عن جهم أنّ الإيمان معرفة اللّه تعالى و كل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد عليه السلام. و في شرح المواقف قيل الإيمان هو المعرفة، فقوم باللّه و هو مذهب جهم بن صفوان، و قوم باللّه و بما جاءت به الرسل إجمالا و هو منقول عن بعض الفقهاء.
و الفرقة الثانية قالوا إنّ الإيمان عمل باللسان فقط و هم أيضا فريقان: الأول أنّ الإقرار باللسان هو الإيمان فقط و لكن شرط في كونه إيمانا حصول المعرفة في القلب، فالمعرفة شرط لكون الإقرار اللساني إيمانا لا أنها داخلة في مسمّى الإيمان و هو قول غيلان بن مسلم الدمشقي [٣]. و الثاني أنّ الإيمان مجرّد الإقرار باللسان و هو قول الكرّاميّة، و زعموا أنّ المنافق مؤمن الظاهر كافر السريرة، فثبت له حكم المؤمنين في الدنيا و حكم الكافرين في الآخرة.
و الفرقة الثالثة قالوا إنّ الإيمان عمل القلب و اللسان معا أي في الإيمان الاستدلالي دون الذي بين العبد و ربه، و قد اختلف هؤلاء على أقوال: الأول أنه إقرار باللسان و معرفة بالقلب و هو قول أبي حنيفة و عامة الفقهاء و بعض المتكلمين و الثاني أنه التصديق بالقلب و اللسان معا و هو قول أبي الحسن الأشعري و بشر المريسي [٤]. و في شرح المقاصد [٥] فعلى هذا المذهب من صدّق تقلبه و لم يتفق له الإقرار باللسان في عمره مرة لا يكون مؤمنا عند اللّه تعالى، و لا يستحق دخول الجنة و لا النجاة من الخلود في النار، بخلاف ما إذا جعل اسما للتصديق فقط، فالإقرار حينئذ لإجراء الأحكام عليه فقط كما هو مذهب أبي حنيفة رحمه اللّه تعالى انتهى كلامه. و المذهب الأخير موافق لما في الحديث «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرّة من الإيمان» [٦] كذا في حاشية
- الميزان ١/ ٣٢٣، النجوم الزاهرة ٣/ ١٧٥، خطط المقريزي ٢/ ٣٥٣.
[١] الجهم بن صفوان: هو جهم بن صفوان السمرقندي، أبو محرز. مات مقتولا عام ١٢٨ ه/ ٧٤٥ م. رئيس الفرقة الجهمية.
كان مبتدعا ضالا، حتى كفرته معظم الفرق الإسلامية. الأعلام ٢/ ١٤١، ميزان الاعتدال ١/ ١٩٧، لسان الميزان ٢/ ١٤٢، خطط المقريزي ٢/ ٣٤٩.
[٢] أخرجه مسلم في الصحيح، ١/ ٤٥، عن عبد اللّه بن عمر، كتاب الإيمان (١) ، باب بيان أركان الإسلام و دعائمه العظام (٥) ، حديث رقم ٢١/ ١٦.
[٣] غيلان بن مسلم الدمشقي: هو غيلان بن مسلم الدمشقي، أبو مروان. مات مصلوبا بدمشق عام ١٠٥ ه/ ٧٢٣ م. زعيم الفرقة الغيلانية التي تقول بالقدر، و كان من المتكلمين. له عدة رسائل. الأعلام ٥/ ١٢٤، الملل و النحل ١/ ٢٢٧، عيون الأخبار ٢/ ٣٤٥، مفتاح السعادة ٢/ ٣٥، لسان الميزان ٤/ ٤٢٤، اللباب ٢/ ١٨٦.
[٤] بشر المريسي هو بشر بن غياث بن أبي كريمة عبد الرحمن المريسي العدوي، أبو عبد الرحمن ولد و توفي ببغداد عام ٢١٨ ه/ ٨٣٣ م. رأس الفرقة المريسية، فقيه معتزلي عارف بالفلسفة، و رمي بالزندقة. و كان أبوه يهوديا. له عدة مصنفات الأعلام ٢/ ٥٥، وفيات الأعيان ١/ ٩١، النجوم الزاهرة ٢/ ٢٢٨، تاريخ بغداد ٧/ ٥٦، ميزان الاعتدال ١/ ١٥٠، لسان الميزان ٢/ ٢٩، الجواهر المضيّة ١/ ١٦٤.
[٥] شرح المقاصد لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (- ٧٩١ ه) شرح فيه كتابه المقاصد في علم الكلام و يعرف أيضا بمقاصد الطالبين في أصول الدين، و على الكتاب و الشرح عدة حواشي. كشف الظنون ٢/ ١٧٨٠- ١٧٨١.
[٦] هذا جزء من حديث، أخرجه الترمذي في سننه، ٤/ ٣٦١، عن عبد اللّه، كتاب البر و الصلاة (٢٨) ، باب ما جاء في الكبر (٦١) الحديث رقم ١٩٩٩، و تمامه: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، و لا يدخل النار من كان في قلبه