كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٣٠٠ - تنبيهات
لا يقال فلان آمن بكذا إذا صلّى و صام، فالإيمان المتعدّي بالباء يجري على طريق اللغة، و إذا أطلق غير متعدّ فقد اتفقوا على أنه منقول نقلا ثانيا من التصديق إلى معنى آخر. ثم اختلفوا فيه على وجوه. الأول أنّ الإيمان عبارة عن فعل كل الطاعات سواء كانت واجبة أو مندوبة أو من باب الاعتقادات أو الأقوال أو الأفعال و هذا قول واصل بن عطاء [١] و أبي الهذيل و القاضي عبد الجبار. و الثاني أنه عبارة عن فعل الواجبات فقط دون النوافل و هو قول أبي علي الجبائي و أبي هاشم. و الثالث أنه عبارة عن اجتناب كل ما جاء فيه الوعيد و هو قول النظّام و أصحابه، و من قال شرط كونه مؤمنا عندنا و عند اللّه اجتناب كل الكبائر.
و أما الخوارج فقد اتفقوا على أنّ الإيمان باللّه يتناول معرفة اللّه تعالى و معرفة كل ما نصب اللّه عليه دليلا عقليا أو نقليا، و يتناول طاعة اللّه في جميع ما أمر و نهي عنه صغيرا كان أو كبيرا.
و قالوا مجموع هذه الأشياء هو الإيمان و يقرب من مذهب المعتزلة مذهب الخوارج، و يقرب من مذهبهما مذهب السلف و أهل الأثر أنّ الإيمان عبارة عن مجموع ثلاثة أشياء: التصديق بالجنان و الإقرار باللسان و العمل بالأركان، إلّا أنّ بين هذه المذاهب فرقا، و هو أن من ترك شيئا من الطاعات فعلا كان أو قولا خرج من الإيمان عند المعتزلة و لم يدخل في الكفر، بل وقع في مرتبة بينهما يسمّونها منزلة بين المنزلتين. و عند الخوارج دخل في الكفر لأن ترك كلّ واحد من الطاعات كفر عندهم. و عند السلف لم يخرج من الإيمان لبقاء أصل الإيمان الذي هو التصديق بالجنان. و قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي [٢]: هذه أول مسألة نشأت في الاعتزال. و نقل عن الشافعي أنه قال الإيمان هو التصديق و الإقرار و العمل، فالمخلّ بالأول وحده منافق، و بالثاني وحده كافر، و بالثالث وحده فاسق ينجو من الخلود في النار و يدخل الجنّة.
قال الإمام: هذه في غاية الصعوبة لأن العمل إذا كان ركنا لا يتحقق الإيمان بدونه، فغير المؤمن كيف يخرج من النار و يدخل الجنة. قلت الإيمان في كلام الشارع قد جاء بمعنى أصل الإيمان و هو الذي لا يعتبر فيه كونه مقرونا بالعمل كما في قوله عليه السلام «الإيمان أن تؤمن باللّه و ملائكته و رسله و تؤمن بالبعث و الإسلام و أن تعبد اللّه و لا تشرك به و تقيم الصلاة» [٣] الحديث. و قد جاء بمعنى الإيمان الكامل و هو المقرون بالعمل و هو المراد [٤] بالإيمان المنفي في قوله عليه السلام «لا يزني الزاني حين يزني و هو مؤمن» [٥] الحديث، و كذا
[١] هو واصل بن عطاء الغزّال، أبو حذيفة. ولد بالمدينة عام ٨٠ ه/ ٧٠٠ م. و توفي بالبصرة عام ١٣١ ه/ ٧٤٨ م. رأس المعتزلة، بليغ متكلم. له عدة تصانيف. الأعلام ٨/ ١٠٨، المقريزي ٢/ ٣٤٥، وفيات الأعيان ٢/ ١٧٠، مروج الذهب ٢/ ٢٩٨، فوات الوفيات ٢/ ٣١٧، تاريخ الاسلام ٥/ ٣١١، مرآة الجنان ١/ ٢٧٤ النجوم الزاهرة ١/ ٣١٣، لسان الميزان ٦/ ٢١٤، شذرات الذهب ١/ ١٨٢.
[٢] هو إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي الشيرازي، أبو إسحاق. ولد في فيروزآباد بفارس عام ٣٩٣ ه/ ١٠٠٣ م.
و مات ببغداد عام ٤٧٦ ه/ ١٠٨٣ م. عالم، ناظر العلماء و اشتهر بالحجة و الجدل و نبغ في علوم الشريعة. له تصانيف كثيرة. الأعلام ١/ ٥١، طبقات السبكي ٣/ ٨٨، وفيات الأعيان ١/ ٤، اللباب ٢/ ٢٣٢.
[٣] أخرجه مسلم في الصحيح، ١/ ٣٩، عن أبي هريرة، كتاب الإيمان (١) ، باب بيان الأيمان و الإسلام (١) ، حديث ٥/ ٩، من حديث طويل.
[٤] المقصود (م، ع).
[٥] أخرجه البخاري في الصحيح، ٨/ ٢٩٣، عن أبي هريرة، كتاب المحاربين من أهل الكفر و الردة، باب إثم الزناة، حديث رقم ٩/ ٦٨١٠، بلفظ، قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «لا يزني حين يزني و هو مؤمن، و لا يسرق حين يسرق و هو مؤمن، و لا يشرب حين يشرب و هو مؤمن، و التوبة معروضة».