كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٢٧٩ - فائدة
امتزاجها، و يمتنع أن يحصل في البدن الإنساني جسم عنصري خالص، فلا بدّ أن يكون الحاصل جسما متولّدا من امتزاجها.
أما الجسم الذي تغلب [١] عليه الأرضية فهو الأعضاء الصلبة الكثيفة كالعظم و اللحم و الشّحم و العصب و نحوها، و لم يقل أحد من العقلاء الذين قالوا إنّ الإنسان شيء مغاير لهذا الجسد بأنه عبارة عن أحد هذه الأعضاء لأنها كثيفة ثقيلة ظلمانية.
و أما الجسم الذي تغلب [٢] عليه المائية فهو الأخلاط الأربعة، و لم يقع في شيء منها أنه الإنسان إلّا في الدم، فإن منهم من قال إنه هو الروح لأنه إذا خرج لزم الموت.
و أما الجسم الذي تغلب [٣] عليه الهوائية و النارية فهو الأرواح فهي أجسام هوائية مخلوطة بالحرارة الغريزية متولّدة إمّا في القلب أو في الدماغ، و قالوا إنها هي الروح و هي الإنسان.
ثم اختلفوا فمنهم من يقول إنه جزء لا يتجزأ في الدماغ، و منهم من يقول الروح عبارة عن أجزاء نارية مختلطة بهذه الأرواح القلبية و الدماغية و تلك الأجزاء النارية المسماة بالحرارة الغريزية هي الإنسان. و من الناس من يقول الروح عبارة عن أجسام نورانية سماوية لطيفة الجوهر على طبيعة ضوء الشمس، و هي لا تقبل التحلّل و التبدّل، و لا التفرق و التمزّق، فإذا تكوّن البدن و تمّ استعداده و هو المراد بقوله تعالى فَإِذا سَوَّيْتُهُ [٤] نفذت تلك الأجسام الشريفة السماوية الإلهية في داخل أعضاء البدن نفاذ النار في الفحم و نفاذ دهن السمسم في السمسم و نفاذ ماء الورد في الورد. و نفاذ تلك الأجسام في البدن هو المراد بقوله وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [٥]. ثم إنّ البدن ما دام يبقى سليما قابلا لنفاذ تلك الأجسام الشريفة فيه بقي حيّا، فإذا تولّدت في البدن أخلاط غليظة منعت تلك الأخلاط لغلظها سريان تلك الأجسام الشريفة فيها فانفصلت عن هذا البدن و لزم الموت، فهذا مذهب قوي شريف يجب التأمّل فيه، فإنه سديد بالمطابقة بما ورد في الكتب الإلهية من أحوال الحياة و الموت. و أما أنّ الإنسان جسم موجود خارج البدن فلا أعرف أحدا ذهب إليه.
و أمّا القسم الثاني و هو أنّ الإنسان عرض في البدن فهذا لا يقول به عاقل لأنه موصوف بالعلم و القدرة و التدبير و التصرّف، و من كان كذلك كان جوهرا لا عرضا، بل الذي يمكن أن يقال به هو الإنسان بشرط أن يكون موصوفا بأعراض مخصوصة، و على هذا التقدير فللناس فيه أقوال: القول [٦] الأول إنّ العناصر إذا امتزجت و انكسرت سورة كلّ واحد منها بسورة الآخر حصلت كيفية معتدلة هي المزاج. و مراتب المزاج غير متناهية فبعضها إنسانية و بعضها فرسية، فالإنسانية عبارة عن أجسام موصوفة بكيفيات مخصوصة متولّدة عن امتزاجات أجزاء العناصر بمقدار مخصوص، و هذا قول جمهور الأطباء و منكري النفس. و من المعتزلة قول أبي الحسين. و القول الثاني إنّ الإنسان عبارة عن أجسام مخصوصة بشرط كونها موصوفة بصفة الحياة و العلم و القدرة، و هي أعراض قائمة بالجسم؛ و هؤلاء أنكروا الروح و النفس، و قالوا
[١] تغلبت (ع، م).
[٢] تغلبت (ع، م).
[٣] تغلبت (ع، م).
[٤] الحجر/ ٢٩ ص/ ٧٢.
[٥] الحجر/ ٢٩.
[٦] القول (- ع،- م).