كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٨٨٨ - فائدة
قال عليه السلام «من رآني في المنام فقد رآني» [١] قال القاضي الباقلاني: معناه رؤيا عليه السلام صحيحة ليست بأضغاث أحلام و لا من تشبيهات الشيطان، فإنّه قد يراه الرائي على خلاف صفته المعروفة كمن يراه أبيض اللحية، و قد يراه شخصان في زمان واحد أحدهما في المشرق و الآخر في المغرب، و يراه كل منهما في مكانه. و قال آخرون بل الحديث على ظاهره و ليس لمانع أن يمنعه، فإنّ الفعل لا يستحيله حتى يضطر إلى التأويل. و أمّا قوله فإنّه قد يرى على خلاف صفته أو في مكانين فإنّه تغيّر في صفاته لا في ذاته فتكون ذاته مرئية، و الرؤية أمر يخلقها اللّه تعالى في الحيّ لا بشرط لا بمواجهة و لا تحديق الأبصار و لا كون المرئي ظاهرا، بل الشرط كونه موجودا فقط حتى جاز رؤية أعمى الصين بقّة أندلس، و لم يقم دليل على فناء جسمه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، بل جاء في الحديث ما يقتضي بقاؤه. و قال أبو حامد الغزالي ليس معناه أنه رأى جسمي و بدني بل رأى مثالا صار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذي في نفسي إليه، بل البدن في اليقظة أيضا ليس إلّا آلة النفس. فالحق أنّ ما يراه مثال حقيقة روحه المقدّسة التي هي محل النبوة. فما رآه من الشكل ليس روح النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لا شخصه بل هو مثال له على التحقيق. أقول فله ثلاث توجيهات و خير الأمور أوساطها، قوله عليه السلام: «فإنّ الشيطان لا يستطيع أن يتمثّل بي» [٢] أي لا يتمثّل و لا يتصوّر بصورتي. قال القاضي عياض: قال بعضهم خصّ اللّه تعالى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بأنّ رؤية الناس إيّاه صحيحة و كلّها صدق، و منع الشيطان أن يتمثّل في خلقه لئلّا يكذب على لسانه في النوم، كما خرق اللّه تعالى العادة للأنبياء بالمعجزة. و كما استحال أن يتصوّر الشيطان في صورته في اليقظة. قال محي السنة: رؤيا النبي صلى اللّه عليه و سلم في المنام حقّ لا يتمثّل الشيطان به و كذلك جميع الأنبياء و الملائكة عليهم السلام انتهى. فإن قلت إذا قلنا إنّه رآه حقيقة فمن رآه في المنام هل يطلق عليه الصحابي أم لا؟ قلت لا إذ لا يصدق عليه حدّ الصحابي و هو مسلم رأى النبي صلى اللّه عليه و سلم إذ المراد منه الرؤية المعهودة الجارية على العادة أو الرؤية في حياته في الدنيا، لأنّ النبي صلى اللّه عليه و سلم هو المخبر عن اللّه تعالى و هو ما كان مخبرا للناس عنه إلّا في الدنيا لا في القبر. و لذا يقال مدة نبوته ثلاث و عشرون سنة. على أنّا لو التزمنا إطلاق لفظ الصحابي عليه لجاز و هذا أحسن و أولى.
فإن قلت الحديث المسموع عنه في المنام هل هو حجة يستدل بها أم لا؟ قلت لا إذ يشترط في الاستدلال به أن يكون الراوي ضابطا عند السماع و النوم ليس حال الضبط كما في كرماني شرح صحيح بخاري. و قال عبد اللّه: قوله من رآني في المنام أي رآني على نعتي التي أنا عليه، فلو رآه على غير نعته لم يكن رآه لأنّه قال رآني، و هو إنّما يقع على نعته. و في مفتاح الفتوح [٣] و سراج المصابيح [٤] أيضا قيل المعنى و اللّه أعلم أنّه إذا رأى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في الصورة التي كان عليها فقد رأى الحق
[١] المعجم الكبير للطبراني ١٢: ٣٨، ١: ٢٨٢.
مصنف ابن ابي شيبة ١١: ٥٥- ٥٦. و اخرجه بلفظ في النوم مسلم ١٧٧٦ و أحمد ج ١ ص ٣٦١، ج ٣ ص ٣٥٠.
[٢] مجمع الزوائد للهيثمي: ٧: ١٧٣، ١٨١. صحيح مسلم ١٧٧٥.
[٣] من شروح المصابيح للبغوي (- ٥١٦ ه). ذكر فيه المؤلف انه جمعه من شرح السنة و الغريبين و الفائق و النهاية و وضع حروف الرموز لتلك الكتب و فرغ منه سنة ٧٠٧ ه. كشف الظنون، ٢/ ١٧٠١.
[٤] هناك مختصر لمشكاة المصابيح، الذي ألّفه محمد بن عبد اللّه الخطيب سنة ٧٣٧ ه، مع شرح فارسي بعنوان «سراج الهداية» لسراج الدين حسين بن بهاء الدين شاه جهانآبادى. بروكلمان، ج ٦، ص ٢٤٢.