كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٦٥٤ - فائدة
إليه ذلك الكمال. و بقيد الأول تخرج الكمالات الثانية، و بقيد الحيثية المتعلّقة بالأول تخرج الكمالات الأولى على الإطلاق، أعني الصورة النوعية لأنواع الأجسام و الصور الجسمية للجسم المطلق فإنّها كمالات أولى لما بالقوة، لكن لا من هذه الحيثية بل مطلقا، لأنّ تحصيل هذه الأنواع و الجسم المطلق في نفسه إنّما هو بهذه الصور و ما عداها من أحوالها تابعة لها، بخلاف الحركة فإنّها كمال أول من هذه الحيثية فقط، و ذلك لأنّ الحركة في الحقيقة من الكمالات الثانية بالقياس إلى الصور النوعية.
و إنّما اتصفت بالأولية لاستلزامها ترتّب كمال آخر عليها بحيث يجب كونه بالقوة معها فهي أول بالقياس إلى ذلك الكمال، و كونه بالقوة معها لا مطلقا. فالحاصل أنّ الحركة كمال أول للجسم الذي هو بالقوة في كماله الثاني بحيث يكون أوليته من جهة الأمر الذي هو له بالقوة بأن تكون أولية هذا الكمال بالنسبة إليه.
و هاهنا توجيهان آخران. الأول أن يكون قولهم من جهة ما هو بالقوة متعلّقا بما يتعلّق به قولهم لما هو بالقوة كالثابت و الحاصل، فيكون المعنى كمال أول حاصل للجسم الذي يجب كونه معه بالقوة في كماله الثاني، و متعلّق به من جهة كونه بالقوة، و ذلك لأنّ الحركة كمال بالنسبة إلى الوصول أو بقية الحركة للجسم الذي يجب كونه معه بالقوة في كماله الثاني، و حصوله له من جهة كونه بالقوة إذ على تقدير الوصول أو بقية الحركة بالفعل تكون الحركة منقطعة غير حاصلة للجسم. و بيان فائدة القيود مثل ما مرّ، لكن بقي انتقاض تعريف الحركة بالإمكان الاستعدادي إذ يصدق أنّه كمال بالنسبة إلى ما يترتب عليه سواء كان قريبا أو بعيدا للجسم الذي يجب كونه معه بالقوة في الكمال الثاني، من جهة كونه بالقوة، فإنّه إذا حصل ما يترتّب عليه بطل استعداده، و كذلك أولية الاستعداد بالنسبة إلى ما يترتب. و الثاني أن يكون متعلّقا بلفظ الكمال و يكون المعنى أنّ الحركة كمال أول للجسم الذي هو بالقوة في كماله الثاني من جهة المعنى الذي هو به بالقوة، بأن يكون ذلك المعنى سببا لكماليته، و ذلك فإنّ الحركة ليست كمالا له من جهة كونه جسما أو حيوانا بل إنما هي كمال من الجهة التي باعتبارها كان بالقوة، أعني حصوله في أين مخصوص أو وضع مخصوص أو غير ذلك؛ و فيه نظر، و هو أنّ الحركة ليست كمالا من جهة حصوله في أين أو وضع أو غير ذلك، فإنّ كماليتها إنما هو باعتبار حصولها بعد ما كان بالقوة.
و يردّ على التوجيهات الثلاثة أنه يخرج من التعريف الحركة المستديرة الأزلية الأبدية الفلكية على زعمهم، إذ لا منتهى لها إلّا بالوهم، فليس هناك كمالان أول هو الحركة و ثان هو الوصول إلى المنتهى إلّا إذا اعتبر وضع معين و اعتبر ما قبله دون ما بعده؛ إلّا أنّ هذا منتهى بحسب الوهم دون الواقع المتبادر من التعريف. و في الملخص أنّ تصور الحركة أسهل مما ذكر فإنّ كل عاقل يدرك التفرقة بين كون الجسم متحركا و بين كونه ساكنا. و أمّا الأمور المذكورة فمما لا يتصورها إلّا الأذكياء من الناس.
و قد أجيب عنه بأنّ ما أورده يدلّ على تصورها بوجه و التصديق بحصولها للأجسام لا على تصوّر حقيقتها.
اعلم انهم اختلفوا في وجود الحركة.
فقيل بوجوده و قيل بعدم وجوده. و حاكم بينهم ارسطو، فقال: الحركة يقال بالاشتراك اللفظي لمعنيين. الأول التوجّه نحو المقصد و هو كيفية بها يكون الجسم أبدا متوسطا بين المبدأ و المنتهى، أي مبدأ المسافة و منتهاها، و لا يكون في حيّز آنين بل يكون في كل آن في حيّز آخر، و تسمّى الحركة بمعنى التوسط. و قد يعبر عنها بأنها كون الجسم بحيث أي حدّ من حدود