كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٥٧٤ - التقسيم
كأرجل أو جمع كثرة كرجال فهو مشترك بينهما.
و قد يستعار أحدهما للآخر مع وجود ذلك الآخر كقوله تعالى ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [١] مع وجود أقراء.
و قد يجمع الجمع و يسمّى جمع الجمع يعني يقدر الجمع مفردا فيجمع على ما يقتضيه الأصول. أما في أوزان القلة ليحصل التكثير و لذلك قل جمع السلامة فيها. و في جموع الكثرة الغرض من جمعها معاملتها معاملة المفرد و لذلك كثر فيه السّلامة رعاية لسلامة الآحاد.
فمثال جمع التكسير أكالب جمع أكلب جمع كلب، و أناعيم جمع أنعام جمع نعم. و مثال جمع السلامة جمالات جمع جمال جمع جمل، و كلابات جمع كلاب جمع كلب، و بيوتات جمع بيوت جمع بيت.
ثم اعلم أنّ جمع الجمع لا يطلق على أقل من تسعة كما أنّ جمع المفرد لا يطلق على أقل من ثلاثة إلّا مجازا، هكذا يستفاد من شروح الكافية كالفوائد الضيائية و غاية التحقيق و الحاشية الهندية و شروح الشافية كالجاربردي.
و عند الصوفية هو إزالة الشعث و التفرقة بين القدم و الحدث لأنّه لما انجذب بصيرة الروح إلى مشاهدة جمال الذات استتر نور العقل الفارق بين الأشياء في غلبة نور الذات القديمة، و ارتفع التمييز بين القدم و الحدث لزهوق الباطل عند مجيء الحقّ، و تسمّى هذه الحالة جمعا. ثم إذا أسبل حجاب العزّة على وجه الذات و عاد الروح إلى عالم الخلق و ظهر نور العقل لبعد الروح عن الذات و عاد التمييز بين الحدث و القدم تسمّى هذه الحالة تفرقة.
و لعدم استقرار حال الجمع في البداية يتناوب في العبد الجمع و التفرقة، فلا يزال يلوح له لائح الجمع و يغيب إلى أن يستقرّ فيه بحيث لا يفارقه أبدا. فلو نظر بعين التفرقة لا يزول عنه نظر الجمع، و لو نظر بعين الجمع لا يفقد نظر التفرقة، بل يجتمع له عينان ينظر باليمنى إلى الحقّ نظر الجمع و باليسرى إلى الخلق نظر التفرقة، و تسمّى هذه الحالة الصحو الثاني و الفرق الثاني و صحو الجمع و جمع الجمع، و هي أعلى رتبة من الجمع الصرف لاجتماع الضدّين فيها و لأن صاحب الجمع الصرف غير متخلّص عن شرك الشرك و التفرقة بالكلية. ألا ترى أنّ جمعه في مقابلة التفرقة متميّز عنها و هو نوع من التفرقة، و هذه مشتملة على الجمع و التفرقة، فلا تقابل تفرقة و لهذا سميت جمع الجمع. و صاحب هذه الحالة يستوي عنده الخلطة و الوحدة و لا يقدح المخالطة مع الخلق في حاله، بخلاف صاحب الجمع الصرف فإنّ حاله ترتفع بالمخالطة و النظر إلى صور أجزاء الكون. و صاحب جمع الجمع لو نظر إلى عالم التفرقة لم ير صور الأكوان إلّا آلات يستعملها فاعل واحد، بل لا يراها في البين فيجمع كل الأفعال في أفعاله و كل الصفات في صفاته و كل الذات في ذاته، حتى لو أحسّ بشيء يراه المحسّ و نفسه الحسّ و الحسّ صفة المحسّ، فتارة يكون هو صفة المحبوب و آلة علمه، و تارة يكون المحبوب صفة و آلة علمه و تصرفه كقوله سبحانه كنت له سمعا و بصرا و يدا و مؤيدا؛ و كما لا يتطرق السّكر إلى الصحو الثاني فكذلك لا تصيب التفرقة هذا الجمع لأنّ مطلعه أفق الذات المجردة و هو الأفق الأعلى، و مطلع الجمع الصرف أفق اسم الجامع و هو الأفق الأدنى.
و الجمع الصرف يورث الزندقة و الإلحاد و يحكم برفع الأحكام الظاهرية، كما أنّ التفرقة المحضة تقتضي تعطيل الفاعل المطلق. و الجمع مع التفرقة يفيد حقيقة التوحيد و التمييز بين أحكام الربوبية و العبودية. و لهذا قالت
[١] البقرة/ ٢٢٨.