كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٢٩٩ - تنبيهات
الخيالي للمولوي عبد الحكيم. و الثالث أنه إقرار باللسان و إخلاص بالقلب. ثم المعرفة بالقلب على قول أبي حنيفة مفسّرة بشيئين: الأول الاعتقاد الجازم سواء كان استدلاليّا أو تقليديّا، و لذا حكموا بصحة إيمان المقلّد و هو الأصح.
و الثاني العلم الحاصل بالدليل، و لذا زعموا أن الأصح أنّ إيمان المقلّد غير صحيح. ثم هذه الفرقة اختلفوا، فقال بعضهم الإقرار شرط للإيمان في حق إجراء الأحكام حتى أنّ من صدّق الرسول عليه السلام فهو مؤمن فيما بينه و بين اللّه تعالى و إن لم يقرّ بلسانه و هو مذهب أبي حنيفة و إليه ذهب الأشعري في أصح الروايتين و هو قول أبي منصور الماتريدي. و لا يخفى أنّ الإقرار لهذا الغرض لا بدّ أن يكون على وجه الإعلام على الإمام و غيره من أهل الإسلام ليجروا عليه الأحكام، بخلاف ما إذا كان ركنا فإنه يكفي مجرّد التكلّم في العمر مرة، و إن لم يظهر على غيره كذا في الخيالي. و قال بعضهم هو ركن ليس بأصلي له بل هو ركن زائد، و لهذا يسقط حال الإكراه. و قال فخر الإسلام إنّ كونه زائدا مذهب الفقهاء و كونه لإجراء الأحكام مذهب المتكلمين.
و الفرقة الرابعة قالوا إنّ الإيمان فعل بالقلب و اللسان و سائر الجوارح و هو مذهب أصحاب الحديث و مالك [١] و الشافعي و أحمد و الأوزاعي [٢]. و قال الإمام و هو مذهب المعتزلة و الخوارج و الزيدية. أما أصحاب الحديث فلهم أقوال ثلاثة: القول الأول أنّ المعرفة إيمان كامل و هو الأصل ثم بعد ذلك كل طاعة إيمان على حدة، و زعموا أنّ الجحود و إنكار القلب كفر، ثم كل معصية بعده كفر على حدة، و لم يجعلوا شيئا من الطاعات ما لم يوجد المعرفة و الإقرار باللسان إيمانا و لا شيئا من المعاصي كفرا ما لم يوجد الجحود و الإنكار لأن اصل الطاعات الإيمان و أصل المعاصي الكفر و الفرع لا يحصل بدون ما هو أصله و هو قول عبد اللّه بن سعد [٣]. و القول الثاني أن الإيمان اسم للطاعات كلها فرائضها و نوافلها، و هي بجملتها إيمان واحد، و أنّ من ترك شيئا من الفرائض فقد انتقض إيمانه، و من ترك النوافل لا ينتقض إيمانه. و القول الثالث أنّ الإيمان اسم للفرائض دون النوافل.
و أما المعتزلة فقد اتفقوا على أنّ الإيمان إذا عدّي بالباء فالمراد [٤] به في الشرع التصديق، يقال آمن باللّه أي صدّق، إذ الإيمان بمعنى أداء الواجبات لا يمكن فيه هذه التعدية،
مثقال ذرة في إيمان ...» و هكذا روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان». و قال عقبه: هذا حديث حسن صحيح غريب.
[١] مالك بن أنس: هو الإمام مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري، أبو عبد اللّه. ولد بالمدينة عام ٩٣ ه/ ٧١٢ م.
و توفي فيها عام ١٧٩ ه. إمام دار الهجرة، و أحد الأئمة الأربعة في الفقه، و هو صاحب المذهب المالكي. أصولي مجتهد، محدث و مفسّر. له عدة مؤلفات. الأعلام ٥/ ٢٥٧، معجم المفسرين ٢/ ٤٦٠، وفيات الأعيان ١/ ٤٣٩، تهذيب التهذيب ١٠/ ٥، صفة الصفوة ٢/ ٩٩، حلية الأولياء ٦/ ٣١٦، تاريخ الخميس ٢/ ٣٣٢، اللباب ٣/ ٨٦، تاريخ التراث العربي ٢/ ١٢٠، مرآة الجنان ١/ ٣٧٣، مفتاح السعادة ٢/ ٨٤ و غيرها.
[٢] الأوزاعي: هو الإمام عبد الرحمن بن عمرو بن محمد الأوزاعي، أبو عمرو. ولد في بعلبك عام ٨٨ ه/ ٧٠٧ م و توفي ببيروت عام ١٥٧ ه/ ٧٧٤ م. إمام أهل الشام في الفقه و الزهد، محدث عالم بالأصول. له عدة مؤلفات. الأعلام ٣/ ٣٢٠، ابن النديم ١/ ٢٢٧، وفيات الأعيان ١/ ٢٧٥، تاريخ بيروت ١٥، حلية الأولياء ٦/ ١٣٥، شذرات الذهب ١/ ٢٤١.
[٣] هو عبد اللّه بن سعد بن سعيد بن أبي جمرة الأزدي الأندلسي أبو محمد. أصله أندلسي و توفي بعصر عام ٦٩٥ ه/ ١٢٩٦ م. فقيه مالكي، عالم بالحديث. له عدة مؤلفات. الأعلام ٤/ ٨٩، البداية و النهاية ١٣/ ٣٤٦، نيل الابتهاج هامش الديباج ١٤٠.
[٤] فالمقصود (م، ع).