بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٩ - الوجه الثاني أن المستفاد من الخطاب بإيجاب شيء هو الإتيان به على سبيل المجانية، والجواب عنه
وبالجملة: لم يرد دليل على اعتبار القدرة بالمعنى الذي ذكره المحقق النائيني (قدس سره) في الأبواب المذكورة ليلتزم فيها بعدم الصحة إذا كان المتعلق من الواجبات.
وأما في باب الإجارة فلعل نظره الشريف إلى أنه يختلف عن تلكم الأبواب من جهة أن المُنشأ في مورد الشرط وما بحكمه هو مجرد الالتزام على نحو الحكم التكليفي، وأما في باب الإجارة فالمُنشأ هو ملكية العمل الذي يبذل بإزائه المال فيلزم أن يكون العمل تحت سلطنة المؤجر، وخروج الشيء عن تحت السلطنة كما قال (قدس سره) [١] تارة يكون بصيرورة المكلف مقهوراً على تركه وأخرى بصيرورته مقهوراً على فعله، فإذا كان كذلك لم يصح تمليكه للغير.
وهذا البيان وإن لم يكن تاماً، لأن المقهورية على الفعل شرعاً بمعنى لزوم الإتيان به تكليفاً لا تمنع من السلطنة عليه وضعاً، ولكنه مما لا يتأتى في موارد النقض، فليتدبر.
الوجه الثاني: ما ذكره بعض الأعلام (قدس سره) [٢] على سبيل الاحتمال ولم أرَ من تبناه، وهو أن المدلول العرفي للخطاب المتضمن إيجاب شيء هو كون الإتيان به مبنياً على المجانية، أي أن الخطاب الوجوبي وإن كان لا يقتضي في حدَّ ذاته سوى البعث نحو الشيء أو وضع الشيء على ذمة المكلف أو نحو ذلك مما ذكر في علم الأصول، إلا أن المتفاهم منه عرفاً أن مراد الآمر هو الإتيان بذلك الشيء مجاناً ومن دون عوض، ولذلك لا يجوز أخذ الأجرة عليه.
ولكن هذا الوجه ضعيف أيضاً، ولا سبيل إلى القبول بالدعوى المذكورة على إطلاقها، بل الأمر منوط بقيام قرينة خاصة على المجانية، ولو كانت هي ارتكاز المتشرعة كما هو الحال في الصلوات اليومية وصيام شهر رمضان وحجة الإسلام ونحوها. وأما مع عدم القرينة فلا دليل على ما ذُكر، بل لا إشكال في عدم تماميته في الواجبات النظامية التي هي على نحو الكفاية، كما سيأتي.
[١] المكاسب والبيع (تقريرات المحقق الآملي) ج:١ ص:٤٠.
[٢] بحوث في علم الأصول ج:٢ ص:٢٧٢.