بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٦٩٢ - هل يستحب السعي في حدّ ذاته؟
بدعوى: أن قوله تعالى ((ومن تطوع خيراً)) يدل على استحباب الإتيان بالسعي.
ولكنه ليس بثابت، فإن في مفاد الآية الكريمة أقوالاً أحدها ما ذُكر، وليس بمتعيّن كما تعرض لذلك جمع من المفسرين كالشيخين الطوسي والطبرسي (رضوان الله عليهما) [١].
وقال العلامة الطباطبائي (قدس سره) [٢] : (قوله تعالى: ((وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ)) إن كان معطوفاً على مدخول (فاء) التفريع في قوله تعالى: ((فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ)) كان كالتعليل لتشريع التطوف بمعنى آخر أعم من العلة الخاصة التي تبيّن بقوله: ((إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ))، وكان المراد بالتطوع مطلق الإطاعة لا الإطاعة المندوبة. وإن كان استئنافاً بالعطف إلى أول الآية كان مسوقاً لإفادة محبوبية التطوف في نفسه إن كان المراد بتطوع الخير هو التطوف، أو مسوقاً لإفادة محبوبية الحج والعمرة إن كان هما المراد بتطوع الخير).
وبالجملة: في مفاد الآية الكريمة وجوه واحتمالات وما ذُكر ليس أظهرها، فالاستدلال بها على استحباب السعي في غير محله.
وقال السيد الحكيم (قدس سره) [٣] : (الذي يظهر من جملة من النصوص استحبابه لنفسه، ففي خبر محمد بن قيس عن أبي جعفر ٧ : ((قال رسول الله ٦ لرجل من الأنصار: إذا سعيت بين الصفا والمروة كان لك عند الله تعالى أجر من حج من بلاده، ومثل أجر من أعتق سبعين رقبة مؤمنة))، وخبر أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله ٧ يقول: ((ما من بقعة أحب إلى الله تعالى من المسعى، لأنه يُذل فيه كل جبار)) ونحوهما غيرهما. ودلالتهما على استحبابه لنفسه ظاهر).
ولكن ناقشه السيد الأستاذ (قدس سره) [٤] قائلاً ما حاصله: أن صحيح محمد بن
[١] التبيان في تفسير القرآن ج:٢ ص:٤٤. مجمع البيان في تفسير القرآن ج:١ ص:٤٤٥.
[٢] الميزان في تفسير القرآن ج:١ ص:٣٨٦.
[٣] مستمسك العروة الوثقى ج:١١ ص:١١٤.
[٤] معتمد العروة الوثقى ج:٢ ص:١٥٥. وتجدر الإشارة إلى أن السيد الأستاذ (قدس سره) كان يرى تمامية الاستدلال برواية محمد بن قيس على استحباب السعي ولذلك ذكر في تعليقته الأنيقة على العروة أنه (يظهر من بعض الروايات استحبابه) (العروة الوثقى ج:٤ ص:٥٩١ التعليقة:٣) ولكنه تنبه لاحقاً إلى كونها جزءاً من الرواية المفصّلة الواردة في ثواب الحج والعمرة.