بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٦٠ - الوجه الثالث أن أكل المال في مقابل أداء الواجب من قبيل أكل المال بالباطل، والجواب عنه
ثم إن المراد بكون الواجب أو المستحب مبنياً على المجانية إما هو كون المأمور به حصة خاصة من العمل وهي ما يكون من دون عوض، فإذا أخذ المكلف عوضاً عليه لم ينطبق المأمور به على المأتي به، فيقع باطلاً لا محالة، ولكن هذا بعيد عن المرتكزات وإن التزم به بعض الفقهاء (رضوان الله عليهم) في الأذان فقالوا إنه يبطل لو أخذ المؤذن أجراً عليه.
وإما هو كون الشارع المقدس قد ألغى مالية ذاك العمل أي اعتبره فاقداً للمالية، ولكن هذا لا يقتضي بطلان الإجارة عليه إلا بناءً على اعتبار أن يكون العمل المستأجر عليه مالاً. وهذا مما ليس عليه دليل واضح كما ذكر في محله.
اللهم إلا أن يقال: إن ما لا دليل عليه هو اعتبار المالية عرفاً وأما اعتبار عدم إلغاء المالية شرعاً فلا حاجة إلى قيام دليل عليه بخصوصه بل هو مقتضى ما دلَّ على إلغاء مالية العمل، إذ لا معنى لإلغاء ماليته إلا ذلك، فتدبر.
الوجه الثالث: ما قيل [١] من أن قوله تعالى [٢] : ((لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)) قد دلَّ على حرمة أكل المال بالأسباب والوجوه الممقوتة التي يُستنكر القيام بها لتحصيل المال، ووجوب الشيء شرعاً يوجب ارتكازاً استنكار أكل المال في مقابله، كما يشهد به أدنى تأمل في المرتكزات. بل لا يختص الأمر بالوجوب الشرعي وإنما يعم كل تكليفٍ يلزم امتثاله، فإن لزوم الفعل على الإنسان يوجب ارتكازاً استنكار أكل المال في مقابله، بحيث يكون المال مأكولاً بالباطل.
غايته أن لزوم امتثال التكليف يختلف باختلاف الأعراف والأنظار، فكل آمر يرى لنفسه الحق في الأمر والإلزام يستنكر أكل المال في مقابل ما يُلزِم به شارعاً كان أو سلطاناً أو غيرهما. كما أن كل شخص يرى لزوم امتثال أمر أي شخص يرى استنكار أكل المال في مقابل ما يأمر به ذلك الشخص، ولذا لا يُظن بأحد التوقف في حرمة أكل المال في مقابل تسليم الأعيان المملوكة لأصحابها، أو
[١] مصباح المنهاج (كتاب التجارة) ج:١ ص:٢٥٦ــ٢٥٧ بتصرف.
[٢] النساء:٢٩.