بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٤ - الجواب عما أورد على هذا الوجه
على تشريعهما، لوضوح المصالح والمفاسد التي تدعو إلى جعلهما.
ووفقاً لهذا المسلك لا واقعية للحكم بحسن العدل وقبح الظلم وراء تطابق آراء العقلاء عليهما، ومعنى الأول أن فاعله ممدوح عند العقلاء ومعنى الثاني أن فاعله مذموم عندهم.
المسلك الثالث: أن الحسن والقبح مما يحكم به الضمير والوجدان، وهو قوة أودعها الله تعالى في نفس الإنسان في جنب العقل الذي هو قوة يُدرك بها الواقعيات، فليس هناك قوة واحدة هي العقل والاختلاف بحسب المدركات من حيث اقتضائها بذاتها جرياً عملياً أو عدم اقتضائها ذلك كما عليه المسلك الأول بل هناك قوتان شأن إحداهما وهي العقل إدراك الأمور الواقعية سواء أكانت في الخارج أو في نفس الأمر، وشأن الأخرى وهي ما يسمى بالضمير والوجدان الحكم بأنه ينبغي صدور هذا الفعل ولا ينبغي صدور ذاك مما يسمى بـ(مدركات العقل العملي).
فهذه أحكام أودعها الله تعالى في نفس الإنسان يحكم بها ضميره ووجدانه، وإليه يُشير قوله تعالى [١] : ((وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)) فالنفس كتاب الله يحتوي على قانونه الفطري، والقرآن كتابه المدون أثبت فيه قوانينه التشريعية وأكدّ فيه على قانونه الفطري أيضاً.
وعلى هذا المسلك وهو المختار كما سبق في محله فإن حرمة الاعتداء على الآخرين في نفوسهم وأبدانهم وأعراضهم وأموالهم هي مما يحكم بها ضمير الإنسان ووجدانه، تلك القوة التي أودعها الله تعالى في نفس الإنسان، وتمثل أحكامه جانباً من الفطرة التي فطر الله الناس عليها.
فإذا ظهر هذا فأقول: إن الأجير إذا أتى بالعمل المستأجر عليه لا من حيث خوفه من عقاب الله تعالى أي لحرمة منع المستأجر ما يملكه عليه من العمل بل من حيث إن في ذلك ظلماً وتعدياً عليه وهو مما يرفضه ضميره ووجدانه، أمكن أن يقال: إن داعيه في الإتيان بذلك العمل يكون في واقعه داعياً إلهياً، لأن
[١] الشمس:٧.