بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٢ - الجواب عما أورد على هذا الوجه
إما الخوف من عقاب الله تعالى من جهة حرمة التصرف في مال الغير أو منع المالك ماله كما ذكره السيد الأستاذ (قدس سره).
وإما هو كون الشخص ممن له رادع من نفسه من ظلم الآخرين وسلبهم أموالهم، ولذلك نجد أن كثيراً من الناس يتورعون عن سرقة أموال غيرهم والتصرف فيها بدون إذن أصحابها لا من جهة الخوف من عقاب الله تعالى ولا تفادياً للمساءلة القانونية، بل لأنهم يرون السرقة والتصرف في مال الغير بدون إذنه أمراً قبيحاً لكونه مصداقاً للظلم والتعدي على الغير فيلزم لذلك اجتنابه، فالأجير الذي يأتي بالعمل العبادي المستأجر عليه صحيحاً مستوفياً للشروط يمكن أن يكون داعيه على ذلك هو التجنب عن ظلم المستأجر بمنعه من العمل الذي ملكه على ذمته أو منفعته الخارجية المملوكة له.
وكذلك في الجُعالة يمكن أن يكون داعي العامل هو كون تسلّم الجُعل والتصرف فيه من دون الإتيان بالعمل مما يُعدّ غصباً وتجاوزاً على مال الجاعل وهو بمنزلة السرقة له فيأتي بالعمل صحيحاً لئلا يكون سارقاً لمال غيره، لا لأنه يخاف الله تعالى.
والحاصل: أن من يقبض المال بإزاء العمل العبادي لا يكون أداؤه له صحيحاً إلا لأحد الأمرين المذكورين ولا ثالث في البين [١]، أي أنه إذا رجع الشخص إلى نفسه لا يجد غير أحد هذين الأمرين في ما يدعوه إلى الإتيان بالعمل صحيحاً مستوفياً للشروط.
وفي ضوء ذلك يمكن أن يقال في بادئ النظر: إن الداعي المحرك لأداء العمل صحيحاً إذا كان هو التجنب عن ظلم الغير والتعدي على ماله فهو وإن كان من الدواعي الراجحة بلا إشكال ولا يعدّ من قبيل الدواعي الدنيوية كالحصول على المال مثلاً إلا أنه مع ذلك لا يجدي في تصحيح العمل العبادي والتخلص عن إشكال عدم الإخلاص الطولي، لأن كون الغاية ممدوحاً عليها
[١] هذا غير من يكون له داعٍ للإتيان بالعمل كالإحسان إلى الأخ المؤمن صالح للداعوية استقلالاً ولو لم يكن قابضاً للمال كما مرَّ في أول البحث.