بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢٩ - الوجه الثاني أن أخذ الأجرة إنما هو داعٍ لداعي القربة في القيام بالعمل النيابي، والمناقشة فيه من جهات
الإلهي بحيث ينبعث منه في الإتيان بالعمل، ولكن كان له داعٍ آخر في طوله، أي كان يهدف من وراء الإتيان بالعمل بقصد القربة الوصول إلى غرض أخروي أو دنيوي فهو لا يضر بعباديّة عمله، ولا يُخلُّ بالإخلاص المعتبر فيها، لفرض أن الداعي الآخر يقع في طول الداعي الإلهي لا في عرضه، ولا دليل على كون مثله مخلاً بالإخلاص المعتبر في العبادة، فإن عنوان الشركة المذكور في النصوص لا يصدق إلا فيما إذا كان الداعي غير الإلهي في عرض الداعي الإلهي كما لا يخفى.
ومن هنا اتفقت النصوص وفتاوى الفقهاء على أنه لا يضر بالعبادية كون الداعي لامتثال الأمر هو الخوف من النار أو الطمع بالجنة كما هو السائد في عبادات معظم الناس، فإنه قلَّ من يعبد الله تعالى من حيث كونه أهلاً للعبادة كما كان يصنع أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه). وكذلك لا يضر أن يكون الداعي لامتثال الأمر غرضاً دنيوياً مما يترتب على العبادات حسب ما ورد في النصوص كالزيادة في الرزق أو طول العمر أو قضاء الحاجة أو نزول المطر ونحو ذلك، ولم يقل أحد أن امتثال الأمر بداعي ترتب بعض هذه الغايات يضرّ بالإخلاص المعتبر في العبادة.
إذا ظهر هذا فأقول: إنه إذا كان الأجر أو الجُعل مقرراً للشخص بإزاء ذات العمل العبادي من الحركات والسكنات فأتى بها بالداعي الإلهي وبداعي استحقاق الأجر أو الجُعل كان عمله باطلاً لا محالة، لفقدان الإخلاص المعتبر في العبادة كما تقدم.
وأما إذا كان الأجر أو الجُعل مقرراً بإزاء العمل المأتي به على وجه العبادة كما هو واقع الحال خارجاً فأتى العامل بالصلاة مثلاً بقصد القربة مع كون داعيه على الإتيان بها كذلك هو استحقاق الأجرة أو الجُعل فهو مما لا يضرّ بالإخلاص المعتبر في صحتها، لفرض كونه من قبيل الداعي على الداعي، لا من قبيل الداعي مع الداعي، فيكون حاله حال من يأتي بصلاة الحاجة أو بصلاة الاستسقاء مثلاً.