بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٨٧ - هل يصح لمن آجر نفسه للحج عن آخر مباشرة في سنة معينة أن يؤجرها للحج عن ثانٍ كذلك مع وقوع الإجارتين على العمل في ذمته؟
العمل المستأجر عليه في الإجارة الأولى معجّز مولوي عن الوفاء بالإجارة الثانية فتبطل لا محالة، بل تقدم أن أقصى ما يقتضيه وجوب تسليم العمل المستأجر عليه في الإجارة الأولى هو حرمة الإتيان بمتعلق الإجارة الثانية ولكن الحرمة المذكورة غيرية ولا دليل على كون مثلها مانعاً عن صحة الإجارة.
الجهة الثانية: أنه يمكن أن يقال: إن تسليم العمل المستأجر عليه إلى المستأجر إنما هو من قبيل الواجب المعلّق إذا كان ظرف التسليم متأخراً عن ظرف إبرام عقد الإجارة، أي أنه إذا آجر نفسه للعمل بعد خمسة أيام مثلاً فمن حين العقد يجب عليه الإتيان بذلك العمل في ظرفه، فالوجوب فعلي والواجب استقبالي، ولذلك يلزمه تحصيل مقدمات ذلك العمل ولا يجوز له تعجيز نفسه عن الإتيان به.
فلو بُني على أن وجوب تسليم العمل المستأجر في الإجارة الأولى مع كونه منجزاً في حق الأجير يمنع من القدرة على الوفاء بالإجارة الثانية فلا بد من الالتزام ببطلان الإجارة الثانية مطلقاً ولا محل فيها للتفصيل المذكور.
بل لو بُني على أن تسليم العمل المستأجر عليه ليس من قبيل الواجب المعلق فلا يثبت وجوب التسليم إلا في ظرف الإتيان بذلك العمل لا من زمان إبرام العقد ينبغي الالتزام بأن القدرة المعتبرة في وجوب تسليم العمل إما أنها من قبيل القدرة العقلية غير الدخيلة في الملاك فلذلك يجب وفق المبنى المشهور تحصيل المقدمات قبل زمان توجه التكليف، وإما أنها من قبيل القدرة الشرعية المطلقة لا الخاصة أي المعتبرة في وقت الواجب وإلا اقتضى ذلك أن من يؤجّر نفسه للإتيان بعمل بعد خمسة أيام مثلاً أن يجوز له أن يعجّز نفسه عن الإتيان بذلك العمل في ظرفه، وأنه إذا كان إتيانه به يتوقف على سبق مقدمات أن لا يجب عليه الإتيان بها مسبقاً. مع أن هذا خلاف ما عليه العقلاء ولا يمكن الالتزام به.
والحاصل: أن التفصيل المذكور مما لا مجال للقول به على كل تقدير.