بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٤٨ - حكم الجعالة على الحج
بل لا بد من تمليكه إياه, فهناك فرق واضح بين الجعالة وبين كلٍ من الإجارة وشرط الفعل، وليس ذلك محلاً للإشكال، وإنما الإشكال في حقيقة الجعالة.
وهنا رؤيتان..
الرؤية الأولى: ما ذكره بعض الأعلام (طاب ثراه) [١] من: (أن استحقاق الجُعل المحدد في الجعالة ليس فيالحقيقة إلا بملاك ضمان عمل الغير بأمره به لا على وجه التبرع، فأنت حين تأمر الخياط الخاص بأن يخيط لك الثوب فيمتثل لأمرك تضمن قيمة عمله وتشتغل ذمتك باجرة المثل.
وهذا نحو من ضمان الغرامة في الأعمال على حدِّ ضمان الغرامة في الأموال، وبإمكانك في هذه الحالة أن تحوّل أجرة المثل منذ البدء إلى مقدار محدد فتقول: من خاط الثوب فله درهم أو: إذا خُطت الثوب فلك درهم، فيكون الضمان بمقدار ما حدّد في هذا الجُعل، ويسمى هذا جُعالة.
فالجُعالة بحسب الارتكاز العقلائي تنحل إلى جزئين: أحدهما الأمر الخاص أو العام بالعمل أي بالخياطة مثلاً، والآخر تعيين مبلغ معين بإزاء ذلك.
والجزء الأول منالجُعالة هو ملاك الضمان، والضمان هنا من قبيل ضمان الغرامة لا الضمان المعاوضي. والجزء الثاني منه يحدد قيمة العمل المضمون بضمان الغرامة حيث إن أجرة المثل هي الأصل في الضمان ما لم يحصل الاتفاق على الضمان بغيرها).
وقد التزم (قدس سره) وفقاً لهذه الرؤية بأن الجعالة لا تتصور إلا على عمل تكون له أجرة المثل في نفسه وقابل للضمان بالأمر به كالخياطة والحلاقة، وأما ما لا ضمان له في نفسه ولا تشمله أدلة ضمان الغرامة فلا تصح الجعالة بشأنه، لأن فرض الجُعل في الجعالة ليس هو الذي يُنشىء أصل الضمان وإنما يحدد مقداره.
وعلى هذا الأساس قال (قدس سره) بأنه لا تصح الجعالة على الإقراض بما هو عمل بأن يقول أحد: (من أقرضني ألف دينار دفعت له مائة دينار) والذي يُعدّ عند بعضهم من حيل الربا لأن مالية الإقراض في نظر العقلاء إنما هي مالية
[١] البنك اللاربوي في الإسلام ص:١٦٦ــ١٦٧.