بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٨ - الجواب عما أورد على هذا الوجه
عنه هو أن لا يكون تصرفه في ما يتسلمه من الجُعل محرماً ومعاقباً عليه يوم القيامة فهو داعٍ إلهي، ففي الموردين لا منافاة بين أخذ الأجرة وأخذ الجعل وبين قصد القربة المعتبر في العبادية على نسق واحد.
وقد يُورد عليه [١] بإشكالين..
(أولاً: بأن الخوف من الله تعالى من أخذ المال بلا حق إنما يقتضي الامتناع من أخذه مع عدم صحة العبادة، ولا يقتضي تصحيحها وحصول التقرب بها من أجل استحقاق المال بعد أن لم يكن أمرها صالحاً في مفروض الكلام للاستقلال بالداعوية، فإن التقرب المعتبر في العبادة هو التقرب بأمرها وبلحاظ ملاك محبوبيتها، لا التقرب من جهة أجنبية عنها، كالخوف من أكل المال بلا حق.
وثانياًً: بأن كثيراً من الأُجَراء إنما يحافظون على شروط صحة العمل في أداء ما التزموا به من دون نظر لحرمة الأجرة بلا حق).
وحاصل الإشكال الأول: أن المناط في العبادية هو التقرب بأمر العبادة وبلحاظ ملاك محبوبيتها، فإذا كان أمرها ومحبوبيتها لا يصلحان للاستقلال بالداعوية في نفس المكلف وإنما كان هناك أمر آخر هو الداعي الأساس للمكلف في الإتيان بالعمل كالخوف من أكل مال الغير بلا حق فإن الجُعل وكذلك العمل المستأجر عليه مال للغير لم يقع العمل عبادة.
وهذا الكلام يمكن أن يناقش..
أولاً: بالنقض بما إذا نذر المكلف أداء صلاة الليل مثلاً ثم أتى بها من حيث كونها منذورة له، أي أنه لم يكن أمرها الاستحبابي ومحبوبيتها كافيين في تحركه نحو الإتيان بها، وإنما الذي دعاه إلى الإتيان بها هو وجوب الوفاء بالنذر، ومن المحقق في محله كما مرت [٢] الإشارة إليه أن متعلق الوجوب في مورد النذر ليس هو ذات العمل الذي يكون مستحباً أو واجباً في الشريعة المقدسة بل متعلقه هو عنوان الوفاء بالنذر.
[١] مصباح المنهاج (كتاب التجارة) ج:١ ص:٢٧٢.
[٢] لاحظ ج:٧ ص:٣٤٥.