بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٧ - الوجه الأول يعتبر في صحة العقد المعاوضي القدرة التكوينية والشرعية على متعلقه، والجواب عنه
الوجه الأول: ما ذكره المحقق النائيني (قدس سره) [١] وتبناه بعض الأعلام من تلامذته (طاب ثراه) قائلاً [٢] : إنه يشترط في صحة عقد الإجارة بل في سائر العقود المعاوضية أن يكون العمل مقدوراً للعامل تكويناً وتشريعاً، وفعلاً وتركاً.
أما اشتراط القدرة التكوينية فمعلوم، وأما اشتراط القدرة التشريعية فلأن الشارع لو سلب القدرة في عالم التشريع عن مثل هذا العمل لرأى العامل في عالم اعتباره التشريعي عاجزاً، فتكون المعاملة بنظره باطلة.
إن قلت: عرفنا لزوم القدرة على الفعل، ولكن لماذا يلزم القدرة على الترك؟ قلنا: لأن معنى مقدورية فعل من الأفعال هو أن يكون الفعل والترك بإرادته وتحت اختياره، وإلا لو كان الفعل ضرورياً كحركة الارتعاش في اليد مثلاً لا يقال: إن هذا الفعل مقدور له.
هكذا ذكر (قدس سره)، ولكنه واضح الخدش، فإنه لم يرد دليل على اعتبار مقدورية الفعل المستأجر عليه بهذا العنوان ليُزعَم عدم صدقه على ما يكون المكلف ملزماً بأدائه، بل غاية ما قام الدليل عليه هو لزوم أن يكون الفعل مقدوراً تكويناً غير محرمٍ شرعاً..
أما وجه اعتبار الأول فلأن الإجارة تتقوّم بتمليك المنفعة بعوض، فإذا لم يكن العمل مقدوراً لا يصح تمليكه عقلاءً.
وأما وجه اعتبار الثاني فليس هو ما ذكره (طاب ثراه) بقوله: (فلأن الشارع لو سلب القدرة..)، بل الوجه فيه هو أن الحكم الوضعي أي ملكية عمل العامل بعوضٍ يندمج فيه عقلاءً لزوم الإتيان بالعمل عند مطالبة المستأجر به مع عدم امتناعه عن بذل الأجرة، وهذه الملكية التي يندمج فيها هذا الحكم التكليفي لا تقبل الإمضاء الشرعي، إذ إمضاؤها يعني الترخيص في ارتكاب الحرام وهو ممتنع في حق الشارع المقدس، فلا محالة يُحكم ببطلان العقد.
وبالجملة: لا إشكال في اعتبار أن لا يكون العمل المستأجر عليه حراماً،
[١] منية الطالب في شرح المكاسب ج:١ ص:١٥.
[٢] القواعد الفقهية ج:٢ ص:١٣٣.