بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٠٨ - استعراض النصوص الدالة على جواز نيابة المرأة عن الرجل
ويؤكد ذلك قوله ٧ في ذيل الرواية: ((لا بأس أن يحج الرجل عن المرأة)) فإنه قرينة على أن المراد بقوله ٧ : ((إنما ينبغي أن تحج المرأة عن المرأة)) هو معنى اللزوم والتعيّن، أي أن نفي البأس عن حج الرجل عن المرأة وعدم التطرق لحج المرأة عن الرجل يدل بقرينة المقابلة على ثبوت البأس في ذلك، و(البأس) كما ذكر السيد الأستاذ (قدس سره) يدل على عدم الجواز.
والحاصل: أن ما أفاده (قدس سره) في المناقشة في دلالة موثقة عبيد بن زرارة على المنع من نيابة المرأة عن الرجل غير تام حتى على مسلكه في مفاد (ينبغي) و(لا ينبغي).
على أن المسلك المذكور مما لا يمكن المساعدة عليه فإن (انبغى) ليس لغة بمعنى تيسر، بل هو بمقتضى اشتقاقه اللغوي انفعال من (بغى) بمعنى طلب الشيء كما نص على ذلك ابن فارس [١] وغيره، والمذكور في علم الصرف أن باب الانفعال موضوع لغةً للمطاوعة، وهي حصول الأثر عند تعلق الفعل المتعدي بمفعوله، فلا يبنى إلا مما فيه علاج وتأثير فيقال: (كسرته فانكسر) ولا يقال: (علّمته فانعلم). ومن المعلوم أن الطلب ليس كذلك، ولذلك لا يقال: (طلبته فانطلب)، فمقتضى القياس أن لا يصح قولهم: (بغيته فانبغى) [٢] إلا إذا لم يكن
[١] معجم مقاييس اللغة ج:١ ص:٢٧١.
[٢] قد يقال: إن (بغى) ليس بمعنى مطلق الطلب بل الطلب الشديد كما يظهر ذلك من الجوهري والراغب الأصفهاني وغيرهما والتشديد في الطلب كأنه معالجة للتأثير في المطلوب لأجل تطويعه لإرادة الطالب فإذا تيسّر له تحصيله كان ذلك من باب المطاوعة.
ولكن يمكن أن يقال: إنه لو سُلّم كون (بغى) بمعنى الطلب الشديد إلا أنه لا يصحح اشتقاق (الانبغاء) منه بمعنى المطاوعة، فإن تحقق المطلوب خارجاً أجنبي عن كونه انفعالاً للطلب وإن كان شديداً لأنه كما لا يمكن انفكاك (كسر الكوز) مثلاً عن انكساره وصيرورته مكسوراً كذلك لا يمكن انفكاك طلب الشيء عن اتصافه بأنه مطلوب للشخص وإن لم يتحقق على أرض الواقع، فتحققه الخارجي مما لا يعدُّ انفعالاً للطلب بوجه.
نعم يُحتمل هنا أمر آخر وهو أنه لما كان يقال: (طلبت الشيء فتيسر لي) نزّل تيسّره منزلة الانفعال للطلب فقيل في البداية: (انبغى له كذا) أي تيسّر له لما طلبه وقيل: (لا ينبغي له كذا) أي لا يتيسّر له وإن طلبه، ثم استخدم (ينبغي) في الكناية عن الحث على الطلب و(لا ينبغي) في الكناية عن الزجر من دون دلالة ظاهرة على اللزوم في شيء من التعبيرين إلا بقرينة حالية أو مقالية. وهذا وجه آخر في مفادهما غير ما ذُكر في المتن ولعله أقرب إلى الصواب، فتأمل.