بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٩١ - هل النصوص الواردة في النيابة عن الحي العاجز عن المباشرة في أداء حجة الإسلام تشمل غير البالغ أو لا؟
والفحص عن موارد استعمال تلك الألفاظ ومراجعة كتب اللغة ونحوها في محاولة لتحصيل الاطمئنان بما هو المراد من اللفظ لا الاعتماد على الاستصحاب القهقرى.
والوجه في ذلك هو أن اللغة إنما هي من الظواهر الحية التي تتعرض للتغيير بمرور الأزمان سواء من ناحية الألفاظ أو المعاني، كما هو موضح في الدراسات اللغوية الحديثة.
وأما ما أفاده المحقق النائيني (قدس سره) [١] من: (أن الغالب في اللغات عدم التغيير وبقاؤها على ما كانت أولاً، فمن ظهور لفظ في معنى في زماننا يحصل الظن بكونه كذلك سابقاً) فهو مما لا يمكن المساعدة عليه أصلاً.
نعم لا إشكال في أن التغيير في اللغة يحصل عادة ببطء شديد، ولذلك قلما يشك العارف باللغة في كون المعنى الذي يستعمل فيه اللفظ في زمانه مختلفاً عما كان يستعمل فيه في زمان قريب منه بخلاف الحال بالنسبة إلى الأعصار البعيدة، ولكن هذا أمر آخر.
ولا وجه لتعميم الثبات النسبي للغة في الفترات القصيرة للفترات الطويلة فإنه خطأ واضح، ونسبة هذا الخطأ إلى العقلاء ودعوى بنائهم عليه [٢] مما لا سبيل إلى القبول به.
وبالجملة: لا دليل على اعتماد العقلاء على الاستصحاب القهقرى أو ما بمعناه في باب الظهورات [٣].
[١] أجود التقريرات ج:٢ ص:٣٥٠.
[٢] مباحث الأصول ق:٢ ج:٢ ص:١٨٩.
[٣] ذكر بعض الأعلام (طاب ثراه) في (بحوث في علم الأصول ج:٤ ص:٢٩٤) أن أصحاب الأئمة : كانوا يعملون بالنصوص الأولية من القرآن والسنة النبوية الشريفة وفق ما يستظهرون منه في عرفهم وزمانهم كما كان يصنع أسلافهم مع أنه كان يفصلهم عنهم زمان يقارب ثلاثة قرون وقد كانت فترة مليئة بالحوادث والمتغيرات.
وعلى ذلك فإما أن يفترض أن الأصحاب قد التفتوا إلى احتمال النقل والتغيير في الظهورات السابقة على زمانهم صدوراً ومع ذلك أجروا أصالة الظهور أو أنهم غفلوا عن هذا الاحتمال بالمرة وعملوا بما يفهمونه من الظهورات، فعلى الأول يكون بنفسه دليلاً على حجية أصالة الثبات في اللغة شرعاً، وعلى الثاني فنفس الغفلة في مثل هذا الموضوع تعرضهم لتفويت أغراض الشارع لو لم تكن أصالة الثبات حجة، فسكوت المعصوم ٧ وعدم تصديه لإلفاتهم دليل على إمضاء هذه الطريقة وكفاية الظهور الذي يفهمه الإنسان في زمانه في تشخيص الظهور الموضوعي المعاصر لصدور الكلام.
أقول: لا شاهد على شيء مما ذكر من الافتراضين، وهناك افتراض ثالث يتطابق مع سيرة العقلاء وهو أن الأصحاب التفتوا إلى احتمال التغيير والنقل مع طول المدة ولكنهم اعتمدوا في معرفة المعاني المرادة بالألفاظ الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة على ما كان يحصل لهم من الاطمئنان بذلك بملاحظة القرائن والشواهد وهي غير قليلة في معظم الموارد، وأحياناً كانوا يرجعون في ذلك إلى الأئمة :، ومع استقرار الشك وعدم إحراز المعنى المقصود كانوا يتوقفون في الأمر ويرجعون إلى سائر الأدلة.