بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٦٢ - الشواهد الدالة على أن استنكار أخذ الأجرة على الصلاة والصيام ونحوهما إنما هو من جهة ارتكاز ابتنائها على المجانية
وبعبارة أخرى: إنه لا إشكال في استنكار أخذ المال بإزاء الواجبات المذكورة من الصلاة والصيام وغيرها، ولكن هل هو من جهة كونها مبنية على المجانية أو من جهة ارتكاز عدم جواز التكسب بالواجب؟ الظاهر هو الأول دون الثاني، وذلك لشواهد..
الشاهد الأول: أنه لو كان أكل المال بإزاء الواجب من حيث كونه واجباً أمراً مستنكراً عند العرف يُمقت فاعله ويُذم عليه كما زُعم لزم التنافي عرفاً بين الأمر بالإتيان بشيء مع التصريح بجواز أخذ المال بإزائه ممن ينتفع به، كأن يقول الأب لولده: (أُوجب عليك خدمة صاحبنا فلان في أيام مرضه، وإن لم يرض إلا أن يكون ذلك بأجرة فخذها منه).
فلو كان الارتكاز العرفي قائماً على استنكار أكل المال في مقابل الإتيان بالواجب من حيث إنه واجب لوجد العرف تنافياً بين إيجاب فعلٍ والترخيص في أخذ العوض بإزائه ممن ينتفع بذلك الفعل، مع أنه ليس كذلك.
وهكذا نذر الإتيان بعمل ولو بأجرة فإنه لا مانع منه ارتكازاً، كنذر سائق سيارة الأجرة أن يعمل على طريق النجف إلى كربلاء في يوم عرفة خدمة لزوار أبي عبد الله ٧، ولو كان لا يستساغ أخذ الأجرة على الواجب ويُعد أمراً مستنكراً لزم أن لا يصح مثل هذا النذر.
لا يقال: ولكن الواجب في مورد النذر كما سبق هو الوفاء به، في حين أن الأجرة تكون بإزاء ذات العمل أي نقل الزوار في المثال.
فإنه يقال: إذا كان هناك ارتكاز قائم على استنكار أخذ المال بإزاء الواجب فلا فرق بين كون الأجرة بإزاء ما هو واجب بعنوانه أو بإزاء ما هو واجب من حيث انطباق عنوان آخر عليه، كما لا يخفى [١].
[١] يظهر من المستدل في ما سيأتي من كلامه أنه إنما يمنع من أخذ الأجرة على الواجب فيما إذا كان متعلق الوجوب هو العمل الصادر من المكلف نفسه، وذلك من جهة أن ما تؤخذ بإزائه الأجرة لا يقع عن الفاعل بل يقع عن باذل الأجرة أو من تبرع عنه إذا كان ذلك العمل مما تقبل النيابة فيه عن الغير وإلا يقع باطلاً. وعلى ذلك فلا مجال للاستشهاد عليه بما ذكر من الموردين فإن له أن يقول فيهما: إن متعلق الوجوب هو الأعم من العمل الصادر من المكلف عن نفسه أو عن غيره فإذا لم يأخذ الأجر على خدمة المريض أو نقل الزوّار وقع عمله عن نفسه وإن أخذه وقع عمله عن غيره الباذل للأجرة.
ويلاحظ على هذا الكلام..
أولاً: أنه لو صحّ فهو نهج آخر في الاستدلال غير ما ذكر من استنكار العرف أخذ الأجرة على الواجب من حيث كونه واجباً فيحكم بعدم جوازه بمقتضى الآية الكريمة الدالة على عدم جواز أكل المال بالأسباب المستنكرة، إذ إن مرجع هذا الكلام إلى عدم جواز أخذ الأجرة على المأمور به إذا كان المطلوب وقوعه عن المكلف نفسه فإنه مع أخذ الأجرة عليه لا يقع كذلك، وهذا مما لا يفرق فيه بين الواجب والمستحب كما لا يخفى. وقد ذكر السيد الحكيم (قدس سره) نظيره في بعض كلماته (مستمسك العروة الوثقى ج:٥ ص:٦١٥).
وثانياً: أن أخذ الأجرة على عمل لا يقتضي عدم إمكان وقوعه إلا نيابة عن الغير فيما إذا كان مما يقبل النيابة، نعم يصح القول بأنه يقع للغير من حيث انتفاعه به ولو من جهة كونه موجباً لسقوط التكليف عنه، كما إذا كان الواجب عليه التسبيب في تحقق ذلك العمل في الخارج، ولكن هذا لا يمنع من وقوع العمل عن العامل نفسه كما سيأتي توضيحه.
وبالجملة: إذا كان مرام المستدل هو عدم جواز أخذ الأجرة على الواجب من حيث كونه واجباً لاستنكار العرف ذلك فيمكن الاستشهاد على خلافه بما ذكر من الموردين. وإن كان مرامه عدم جواز أخذ الأجرة فيما إذا كان المأمور به هو العمل الصادر من المكلف عن نفسه ومع أخذ الأجرة عليه لا يمكن أن يقع كذلك بل يمكن أن يقع عن الغير في ما يقبل النيابة وإلا فيقع باطلاً. فهو مخدوش بأن من يخدم مريضاً أو ينقل زائراً بأجرة يبذلانها له لا يكون عمله بالنيابة عنهما وإن كان يقع لهما، وبين الأمرين بون شاسع فإن العمل النيابي لا يمتثل به إلا الأمر النيابي بخلاف العمل المأتي به لا على وجه النيابة عن الغير فإنه يقع عن العامل نفسه وإن كان يصدق أيضاً وقوعه للغير الباذل للأجرة من حيث انتفاعه به، فتدبر.