بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٦٤ - الشواهد الدالة على أن استنكار أخذ الأجرة على الصلاة والصيام ونحوهما إنما هو من جهة ارتكاز ابتنائها على المجانية
الطبيب ونحوه للأجرة بوجه آخر، وهو أن عدم جواز التكسب بالواجب يختص بما يقع من الأجير ونحوه امتثالاً لأمره، وأما إذا كان امتثالاً لأمر غيره في ما يقبل النيابة فلا محذور من التكسب به بعد كون الممتثل به غير الأجير وهو باذل المال أو من تبرع عنه الباذل، وعلى ذلك فلا مانع من التكسب بما وجب للضرورة وإن انحصر بشخص واحد، لأن انحصاره به لا يقتضي تكليفه به عيناً بنحو يكون العمل له ويكون هو الممتثل به بل يقتضي تكليفه به عيناً في الجملة، بمعنى التكليف بمباشرته إما عنه أو عن غيره مع تكليف الكل كفائياً بالسعي لحصوله من طريق المباشر ولو بأن يملكوه عليه فيأتي به عنهم.
وحاصله: أن الطبيب مثلاً يمكنه أخذ الأجرة على طبابته حتى لو كان إنقاذ حياة المسلم ينحصر بها إلا أنه لا بد أن يكون عمله نيابة عن باذل الأجرة أو المتبرع عن الباذل، ليكون ممتثلاً للأمر المتوجه إلى الباذل أو إلى من تبرع عنه لا أنه يمتثل الأمر المتوجه إلى نفسه.
ولكن هذا الكلام لا يمكن المساعدة عليه، فإن الطبيب الآخذ للأجرة لا يقصد النيابة في طبابته عن الباذل أو عمن تبرع عنه الباذل، ولا أن العرف يراه نائباً عنه فيها، بل يرى أن كلاً من الطبيب والباذل قد عمل بما هو واجبه في إنقاذ المريض أحدهما بماله والآخر بعمله.
وبعبارة أخرى: إن العرف لا يرى أيَّ منافاة بين امتثال الطبيب للأمر المتوجه إليه بإنقاذ حياة مريض وبين أخذه الأجرة على القيام بذلك.
وتوضيح الحال: أنه إذا كان هناك ما يلزم تحقيقه خارجاً كإنقاذ إنسان من الهلاك أو إزالة النجاسة عن المسجد فقد يفرض كون جمع من المكلفين قادرين على المباشرة فيه وجمع آخر غير قادرين على ذلك ولكن يتمكنون من التسبيب بالإعلام أو الوعظ والإرشاد أو بذل المال أو غير ذلك في قيام البعض من الجمع الأول بأداء ذلك العمل، ففي مثله كما يكون العمل نفسه واجباً على الجمع الأول القادر على المباشرة وجوباً كفائياً يكون التسبيب في أدائه واجباً على الجمع الثاني على سبيل الكفاية، فإذا قام شخص من الجمع الثاني