بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٨٠ - هل يصح لمن آجر نفسه للحج عن آخر مباشرة في سنة معينة أن يؤجر نفسه لثانٍ كذلك مع وقوع الإجارتين على منفعته الخارجية؟
أخرى، ولا شك في أن كل واحدة من هاتيك المنافع المتعلقة للاعتبارات مقدورة في حدِّ أنفسها, وما هو موصوف بعدم القدرة إنما هو الجمع بينها. ومن الضروري عدم اعتبار الملكية أي ملكية واحدة لمجموع تلك المنافع حتى يقال بأن المجموع غير قابل للوقوع خارجاً, بل الملكية إنما تعلقت بكل واحدة واحدة مما هو مقدور في نفسه كما عرفت.
وبالجملة: عدم إمكان استيفاء المنفعتين المتضادتين معاً خارجاً لا يقتضي عدم إمكان اعتبار الملكية لكل واحدة منهما بحيالها, ضرورة أن كل واحدة منهما قابلة في نفسها للتحقق في الخارج فهي قابلة لأن تتعلق بها الملكية.
فإن قلت: ما هي الفائدة في الجمع بين هذين الاعتبارين بعد امتناع الجمع بين المعتبَرين المتضادين، وهل هذا إلا من اللغو الممتنع صدوره من الحكيم؟
قلت: كلا, فإن المالك وإن لم يكن قادراً على الجمع ولا يمكنه استيفاء تمام المنافع المتضادة, إلا أن ثمرة اعتبار ملكيته لكل منهما تظهر في بعض الموارد, كما إذا ملّك واحدة منها للغير وأخرجها عن ملكه بالإجارة, ولكن قام المستأجر أو شخص آخر باستيفاء منفعة أخرى مضادة لتلك المنفعة، فإنه يضمن أجرة المثل لمالك العين لكونه من التصرف في المنفعة التي هي ملك له. وكفى هذا المقدار فائدة لاعتبار الملكية للمنافع المتضادة وإن لم يتمكن المالك من استيفائها بتمامها حسب ما عرفت, بل لم يكن له هذا التصرف كما لا يخفى.
ويلاحظ على ما أفاده (رضوان الله عليه)..
أولاً: أنه إن تم فإنما يتم بناءً على أن مالك العين يملك منافعها أيضاً, وأما بناءً على ما هو الصحيح المطابق للرؤية العقلائية من أن مالك العين إنما يملك تمليك منافعها للغير لا أنه يملكها بالفعل في جنب ملكيته للعين، وكذلك الحر إنما يملك تمليك منافعه للغير لا أنه يملكها بالفعل، فلا موضوع للبحث عن ملكية المنافع المتضادة بالنسبة إلى مالك العين وكذلك بالنسبة إلى الحر. بل بناءً عليه لا بد من الرجوع إلى العقلاء ليرى هل أنهم يثبتون للمالك الحق في أن يملّك شخصاً منفعة معينة للعين ثم يملّك شخصاً آخر منفعة أخرى مضادة للمنفعة