بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٥ - الجواب عما أورد على هذا الوجه
نداء الضمير والوجدان هو نداء الله تعالى، وليس نداءً لغيره وإن فرض عدم التفات الشخص نفسه إلى ذلك، فإنه لا يمنع من وقوع العمل عبادياً.
وبعبارة أخرى: إن أقصى ما يمكن الالتزام بكونه مضراً بعبادية العمل المأتي به امتثالاً لأمر الله تعالى هو ما إذا كان الداعي على الامتثال غير إلهيٍ حتى بحسب واقعه، وأما إذا كان بحسب واقعه إلهياً فلا دليل على كونه مضراً بالعبادية، فتدبر.
ونظير المقام ما إذا أتى بالعمل العبادي امتثالاً لأمر الله تعالى، لا لكونه أهلاً للعبادة ولا طمعاً في ثوابه ولا خوفاً من عقابه، بل من جهة أداء ما له من حق الطاعة عليه، أي لئلا يكون ظالماً لربه في عدم إطاعته، فإن من الواضح أنه لا يضر بعبادية عمله، وكذلك الحال في مورد الكلام فإنه لا فرق بينهما من الجهة المبحوث عنها. فليتأمل.
الجهة الثانية: أنه لو سلِّم عدم تمامية البيان المتقدم وبُني على أن الداعي إلى امتثال الأمر العبادي إذا كان هو مجرد رفض الظلم والتعدي على الآخرين لا الخوف من عقاب الله تعالى يمنع ذلك من وقوع العمل عبادياً. إلا أنه يمكن أن يقال: إن هذا الوجه الذي أفاده السيد الأستاذ (قدس سره) وإن كان لا يفي عندئذٍ بدفع الإشكال عن عبادية ما يؤخذ بإزائه الأجرة في جميع موارده، إلا أنه مع ذلك لا محيص من الالتزام بمقتضاه من التفصيل بين ما إذا كان الداعي على الامتثال هو الخوف من الله وما إذا لم يكن كذلك، أي لا بد من الاقتصار في الحكم بجواز أخذ الأجرة على العبادة على ما إذا كان الداعي الأخير على الإتيان بها هو الخوف من الله لا رفض الظلم والتعدي على الناس.
والسرّ في ذلك: أن مقتضى القاعدة لو لم يتم الوجه الثاني المتقدم بطلان العبادة في غير المورد المذكور. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن ما دل على جواز أخذ الأجرة على العبادات مما لا إطلاق له ليشمل ما عدا ذلك المورد، إذ الدليل عليه إما هو سيرة المتشرعة أو النصوص الواردة في النيابة الاستئجارية في الحج ونحوه، والسيرة دليل لبي لا إطلاق لها وينبغي الاقتصار