بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٥٦ - هل تصح الجعالة على الحج مع كونه عملاً معلوماً؟
وبالجملة: لكل من العقود والإيقاعات مورد معلوم عند العرف والعقلاء ولا يصح عندهم استخدام البعض في مورد البعض الآخر، والجعالة موردها العقلائي هو ما إذا كان العمل مجهولاً لا يُعلم بالضبط ما يتطلبه من الجهد كردِّ الضالة والعبد الآبق ونحو ذلك، وأما العمل المعلوم المحدد فمورده عند العقلاء هو الإجارة، ولما كان الحج معلوماً محدداً فلا تصح الجعالة عليه.
ولكن يمكن أن يقال: إن ما ذُكر من أن العقود والإيقاعات لها موارد محددة عند العقلاء وإن كان صحيحاً في أصله ولكن يمكن المناقشة في بعض الأمثلة المذكورة ومنها الجعالة المبحوث عنها، فإن موردها ليس خصوص العمل المجهول بل تجري عند العقلاء حتى في العمل المعلوم، وقد دلَّ على ذلك أيضاً إطلاق بعض النصوص كصحيحة عبد الله بن سنان [١] قال: سمعت أبي سأل أبا عبد الله ٧ وأنا أسمع فقال له: ربما أمرنا الرجل فيشتري لنا الأرض والدار والغلام والجارية ونجعل له جعلاً؟ قال : ((لا بأس)).
وإيقاع الجعالة بدلاً عن الإجارة في مثل ذلك ربما يكون من جهة أن الإجارة توجب التزاماً على كلٍّ من الطرفين فإن المستأجر يملّك الأجرة والأجير يملّك العمل وعلى كلٍّ منهما الوفاء بما التزم به وهذا مقيد لهما، وأما في الجعالة فالجاعل يلتزم بالجُعل على تقدير إتيان المجعول له بالعمل، فهو لا يملّك المجعول له الجُعل منجزاً بل معلّقاً على إتيانه بالعمل ويمكنه أن يتراجع عن جعالته قبل إتمام العامل له أو قبل شروعه فيه على الخلاف في ذلك وكذلك المجعول له حرٌّ يمكنه أن يأتي بالعمل فيستحق الجعل ويمكنه أن لا يأتي به فلا يستحقه، أي أن الجعالة تمنح الطرفين حرية لا توجد في الإجارة. وبذلك ربما يتوسل إلى الجعالة عندما لا يريد أحد الطرفين أو كليهما أن يقيّد نفسه بما تشتمل عليه الإجارة من الالتزام.
وبما تقدم يظهر أيضاً عدم تمامية ما يقال أحياناً من أن الجعالة موردها العامل غير المعين فإذا كان معيناً فذلك مورد للإجارة، فإنه لا دليل على هذه
[١] الكافي ج:٥ ص:٢٨٥.